آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:44 ص

علماء البواسير

حسين العلق *

لم تمض سوى اسابيع قليلة على السيول المدمرة التي ضربت مدينة تبوك شمال المملكة. وفي ظروف كهذه يفترض العقلاء أن ما ينبغي التركيز عليه هو تسخير كافة الجهود لتعويض المتضررين وإصلاح الأضرار الهائلة في البنية التحية وصولا إلى محاسبة المقصرين والمتلاعبين والكشف عن «هوامير» المال العام.

لقد غابت ورش الإصلاح الكبرى عن مدينة تبوك فيما كان الاهتمام منصبا على الترتيب لورشة عمل من نوع آخر لم تخطر على بال عاقل. تلك هي ندوة الشيخ ابراهيم الفارس المخصصة للهجوم على الشيعة!

لست هنا بصدد التعليق على موقف وزارة الشئون الاسلامية المؤيد للندوة ولا نشر وكالة الانباء السعودية اعلانا عنها، فتلك قصة أخرى تشيب لها الولدان. ولا يخفف من وقعها إلا سحب الخبر من موقع الوكالة في اليوم نفسه والغاء الندوة لاحقا.

الشيخ الفارس وبعبقرية فذة انتهى من جميع مشاكل مدينة تبوك والمنطقة الشمالية اجمالا!. فالبنى التحتية هناك عادت أحسن مما كانت عليه قبل أن تضربها السيول، حيث ظهرت الكباري وأنفاق المترو، وعوض الأهالي الذين تضررت منازلهم بقصور كبيرة، أما جيوب الفساد فقد استؤصلت من «لغاليغها»، بل وحتى بيوت الصفيح في عرعر المجاورة تحولت إلى ناطحات سحاب، ولذلك لم يتبقى لديه إلا مشكلة الشيعة!

وللوقوف على مبررات هذه الندوة في هذا الوقت بالذات، نرجح أن تكون هناك ثلاثة أسباب، أولها الهزيمة النفسية التي لايزال الشيخ الفارس يرزح تحت وطأتها، نتيجة أحداث وتداعيات مناظرته الشهيرة مع الباحث الشيخ حسن فرحان المالكي على قناة وصال مؤخرا، فقد تلقى الفارس ضربات موجعة جعلته عرضة للسخرية حتى من أقرب مريديه والمحيطين به.

الهزيمة النفسية هي أسوأ ما يمكن أن يفتك بعقل المرء. ذلك لأن المنهزم نفسيا يمكن أن يلجأ لممارسات غير محسوبة لغرض رد الاعتبار ولملمة ما تبقى من الكرامة المهدورة، ويبدو أن الشيخ الفارس لم يجد ما يلملم به لبنه المسكوب إلا الهجوم المفتوح على الشيعة فتلك بضاعة من لا بضاعة له!

أما السبب الثاني فقد اراد الشيخ الفارس - من حيث يعلم أو لا يعلم - من اثارة الخطر الشيعي على حد زعمه أن يصرف أنظار الأهالي في تبوك عن مكامن الخلل التي جعلتهم يغرقون في شبر ماء، وأن يلهيهم عن الكارثة التي لازالوا يرزحون تحت وطأتها من خلال تخويفهم بأشباح غير موجودة إلا في مخيلته هو وأضرابه.

أما ثالث الاستهدافات، والله أعلم، فهو محاولة كسر أي تموج ايجابي تركته مبادرة فريق الغواصين القطيفيين الذين عرضوا المبادرة لإنقاذ ضحايا السيول في تبوك، فقد تركت المبادرة صدى ايجابيا ربما أصبح معه كلام الفارس ضد الشيعة هشيما تذروه الرياح!

أريد أن أتوقف أخيرا عند جزء من محاضرة الشيخ الفارس وهي منشورة لمن أراد، فقد ذكر أن من مناهج وأهداف الشيعة في المنطقة الشرقية من السعودية، هو منهجهم في التكاثر «فهم يحثون حثاً بيناً وواضحاً على الزواج المبكّر؛ ولذلك تجد الواحد منهم عمره خمس عشرة سنة وهو متزوج وعنده أولاد». [1] 

دعونا من الشيعة والسنة الآن، أنا أريد أن أسأل هذا الفارس الجهبذ؛ كيف لفتى في عمر الخمسة عشر أن يكون له أولاد وهو بالكاد قد بلغ الحلم!!، يا سادة ضعوا ألف خط تحت كلمة أولاد، إلا أن يكون هذا اكتشاف حصري للشيخ الفارس، اذ لم يسبق أن قال به لا علماء الطب ولا البيولوجيا ولا التشريح، اللهم إلا إذا أثبته زملاءه من علماء البواسير فذلك شيء آخر!

ان احوج ما يحتاجه الوطن في هذه المرحلة هو ارادة البناء الحضاري والإصلاح السياسي والتقدم العلمي وجميع ذلك لا يتحقق إلا في ظل بيئة متعايشة ومتسامحة مع اختلافاتها وتنويعتها الطبيعية التي لا سبيل من الانفكاك منها، أما السباب والتلاعن والتراشق الطائفي فلا يليق إلا بالهمج الرعاع وذوي المصالح والأهواء والمهزومين نفسيا!

[1]  محاضرة للشيخ الفارس بعنوان «الرافضة عقيدة وهدفاً».
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
رجاء
[ السعودية ]: 24 / 2 / 2013م - 3:38 م
سيظل هذا المرض العضال (الطائفية) يتغلغل في النفوس المريضة لدى البعض ممن يدعون التدين والدعوة إلى الاسلام. والحمدلله ان هناك فئة نبيلة استطاعت إن توقف هذا الهجوم الذي يهدف إلى تفكيك الوحدة ويطعن في الصفوف الإسلامية.

بارك الله فكرك وقلمك ياأستاذ.
2
بن محمد
[ تاروت - القطيف ]: 24 / 2 / 2013م - 4:41 م
فكرة المقال جميلة جدا .. لكن لدي سؤال وهو ماذا يقصد الكاتب بالعنوان ومايرمي إليه من وصفه ان الفارس وزملاؤه من علماء البواسير ...
اتصور لم تكن موفقية في العنوان سوى لفت الإنتباه لا المدلول .. نسأل الله تعالى التوفيق للعيش في سلم وسلام ..
3
علي ال درويش
[ السعودية - القطيف ]: 24 / 2 / 2013م - 5:15 م
في الوقت الذي كنا ينتظر شيعة القطيف ان تمد الايدي سلام لهم لجميل مبادرتهم هاهو كبير هواميرهم يشن الحرب بندوته التي لا تسمن ولا تغني من جوع كما وصفها أبو علي

جاءت على الجرح ياكاتبنا
وزدنا فأننا مشتاقون لك
4
حسين رمضان
[ السعودية - سيهات ]: 24 / 2 / 2013م - 11:08 م
أخي العزيز/ حسين هذه التجاوزات من بعض المتمذهبين تكررت في اكثر من مكان في وطننا العزيز وهؤلاء لا يهمهم ما يحدث لمواطنيهم من كوارث وآلام ولا اعتقد انهم يثيرون هذه الإشكالات لهدف اشغال الناس عن مصائبهم وانما هذه منهجيتهم الافساد وليس الأصلاح لكن الكلام هو مع المسؤولين. الذين لا يعنيهم الخوف على السلم الإجتماعي قل تشتعل الفتنه بين ابناء الوطن.
كاتب سعودي