آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

الشفافية

محمد أحمد التاروتي *

ديمومة العلاقة التشاركية بين مختلف الأطراف، مرهونة بالقدرة على التعامل بمصداقية، واعتماد مبدأ الشفافية، ومحاولة تكريس الثقة في مختلف الظروف، لاسيما وان العلاقات القائمة على تبادل المنافع، وتقدير الأوضاع الاستثنائية، عناصر أساسية في استمرارية العلاقات التشاركية، مما يجعلها قادرة على الصمود وعدم الاستسلام للظروف القاهرة، نظرا لادراك كل طرف بخطورة تعدي احدهما على الاخر، خصوصا وان الربحية الانية مصيرها للاندثار من جانب وامكانية التعرض لذات المواقف الانتهازية للاستفادة من الظروف الطارئة من جانب اخر.

الوضوح مبدأ أساسي في العلاقات التشاركية، باعتباره ركيزة ضرورية للوقوف امام التحديات الحياتية، وتفنيد كافة محاولات نسف العلاقات التشاركية، لاسيما وان هناك العديد من الأطراف الساعية لادخال تلك العلاقات في ازمة حقيقية، الامر الذي يعزز أهمية الشفافية تدعيم الشراكة الحقيقية، والقائمة على وضع النقاط الحروف، بعيدا المبادئ المصلحية، نظرا لخطورة التحرك الأحادي في تعظيم الفائدة على حساب الشريك، فالعملية قائمة على تحريك الأمور في الاتجاهات النافعة، مما يعطي إشارات إيجابية في لمستقبل العلاقة التشاركية، بما يحقق المصالح المشتركة، والابتعاد عن المناطق المحظورة، او اختراق الخطوط الحمراء.

غياب الشفافية يعطي إشارات سلبية، في استمرارية العلاقات التشاركية، فمحاولة إخفاء الكثير من الحقائق، وعدم ابداء النوايا الحسنة، يدفع احد الأطراف للتوقف كثيرا، مما يشكل بداية لانهاء تلك العلاقات القائمة على تبادل المنافع، حيث ينظر الطرف المتضرر لغياب الشفافية، كنوع من ”الطعن في الظهر“، الامر الذي يسهم في البحث عن البدائل الأخرى، او محاولة امتلاك الأوراق الرابحة، لتفادي السقوط المودي، بالاضافة للعمل تقليل الخسائر المترتبة، لاسيما وان محاولة احد الأطراف للاستحواذ على الغنائم بطرق مختلفة، يثير بعض المخاوف في الأطراف المتضررة، مما يدفع للتحرك في الاتجاه المعاكس، لقطع الطريق امام التعرض للخسارة، وبالتالي فان الشفافية تمثل العلاج الشافي في تهدئة النفوس، ولجم كافة المخاوف من التعرض للخديعة.

اتخاذ القرارات المفاجئة وغير المدروسة، تمثل احدى الأسباب وراء انهاء العلاقات التشاركية، خصوصا وان الكثير من القرارات تكون ذات اثار إيجابية على المدى البعيد، بيد ان تطبيقها بشكل مفاجئ يثير الكثير من الشكوك، مما يستدعي وضع الجميع في الصورة الواضحة للإجابة، على الكثير من التساؤلات الحائرة، وبالتالي فان القرارات المفاجئة تشكل صدمة كبرى، فتارة تكون تلك القرارات عابرة سرعان ما تمتص اثارها لدى ”الشريك“ وتارة أخرى تكون عميقة وغير قابلة ”للبلع“، نظرا للتداعيات المترتبة عليها على مختلف المجالات، بمعنى اخر، فان التحرك القائم على الفرض يحدث ردود أفعال غير متوقعة، مما يتطلب احتساب الخطوات بدقة متناهية، من خلال وضع الجميع في الصورة الكاملة، عوضا من الاستحواذ، وممارسة دور الوصاية والقيادة، مما يساعد في نسف مبادئ التشاركية القائمة على تبادل الآراء، في القضايا المختلفة الهامشية والمفصلية.

الكثير من العلاقات التشاركية تواجه خطر الوجود، نتيجة انعدام التفاهم القائم على الشفافية، وغياب القدرة على الانسجام الكامل، في الكثير من القرارات الهامة، فالتمسك بالرأي واستبعاد الآراء الأخرى، يقضي على تلك العلاقات بطريقة مباشرة، خصوصا وان الكيانات التشاركية تعتمد على الاحترام المتبادل، والعمل على الاحتفاظ على السمات الشخصية، فيما تغافل الشفافية يضرب مبدأ الاحترام، ويمهد الطريق امام السيطرة، والغاء الطرف الاخر بشكل نهائي، الامر الذي يضع الأمور على المحك، وعدم القدرة على الاستمرارية، مع بروز ”الغموض“ المتعمد، في تحريك القرارات ذات العلاقة المشتركة.

الشفافية ليست كلمة ”عابرة“، ولكنها تتضمن الكثير من المعايير والأسس، فهذه الكلمة تمثل منهجية متكاملة في تدعيم العلاقات التشاركية، بحيث لا تقتصر على الجوانب الأخلاقية، وانما تشمل مختلف المجالات الحياتية، وبالتالي فان العمل على تعزيز الشفافية في الممارسات الحياتية، يحدث اثرا كبيرا في وضع الأمور بالاتجاه الصحيح، بحيث تنعكس على اشكال مختلفة في طبيعة الكيانات القائمة، على مبادئ تبادل المنافع.

كاتب صحفي