آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 1:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

إني أرى

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

قال أحد الفلاسفة: «يجب أن يكون الإنسان قاسي العقل، رقيق القلب»

كل شيء في هذه الحياة في بحثٍ دؤوب عن التوازن، حتى ذرات المادة في اهتزازاتها وكواكب الفضاء في مداراتها تسير وفق خطة للتوازن. في الفيزياء الدوران هو توازن، السقوط توازن، الحياد والقلق هما أيضا توازن!

والإنسان كجزء طبيعي من هذا الكون تسري عليه قوانين الفيزياء والكيمياء مجبول على رحلة البحث عن التوازن.

«أسعد الوصيبعي» رجل من نسيجِ هذا الوطن أرى أنه حقق توازنه الخاص بين رقة القلب من جهة، وحدة العقل من جهة أخرى. وبين رجل الوظيفة والزوج والأب والهاوي وصاحب الاهتمامات والصديق والابن أيضاً من جهات تفرقة أخرى.

لأن التوازن في الفيزياء يحكم على الجسم الصلب أن يحقق محصلة صفر حين محافظته على توازنه تحت تأثير قوى كثيرة ومختلفة الاتجاهات. إنها بتفسيرنا السيكولوجي: حالة الطمأنينة. هذا ما يفسر ذلك الهدوء الرصين الذي يطيفُ بمُحيا «أسعد». لأن الرجل في الحياة يشبه كوكبا يدور في رحلة بلا توقف تتجاذبه قوى الجذب والطرد، وملزوم هو ألا يشتد فيُطرد من جنة الطمأنينة، ولا يضعف فيطرد من جنة العقل!. و» أسعد» بهدوئه المكين، وملامحه الواثقة الطافحة بالسلام وقف بكل ثقة العقلاء محافظا على رحمة الأب، وإخلاص الصديق، ومحبة الزوج، وبرّ الابن، وهمّة الموظف، وجذوة المفكر.. وسكون الحكيم.

حين يتحدث أو يُحاضر «أسعد» وبلا أدنى تكلف، لا تمتلك إلا أن تُصغي إليه، دونما أن يستخدم طُرق الجذب المعتادة في الخطاب، هكذا يُجري الحديث سلساً طبيعياً غزير المعرفة، واثقاً مما يطرح. وحين تهرع ابنته إليه ينتحي كالجدول ليرتب هندامها وينظف لُماها بمنديل نظيف.. وحين لا يجد ما يسترعي فعلاً أو قولاً هو يلف ذراعيه حول بعضهما ويتأمل. خفيفٌ في حضوره، لطيفٌ في خطابه، متقن في كل ما يفعل. وشكسبير يقول: «إن كل شيء مُعَدّ إذا كانت عقولنا كذلك»، والذي يعرف أسعد سيؤكد أن عقله مُعدّ بشكل ممتاز. لهذا كان كل ما حوله مُعدّ بأفضل ما يكون. مُعدٌ في أسرته الجميلة، زوجته الذكية التي كانت أحد أقطاب توازن عائلته الصغيرة المكونة منه ومن زوجته وصبي وابنتين كانا دائما على قدر من الأناقة والأدب. في اجتماعيته التي لم تغرق في المجاملات المُهدِرة للوقت، وفي نفس الوقت لم يكن بعيداً عمن حوله أو جافاً أو معزولاً. في حديثه الذي لا يتكلفه، ولا ينفقه في فضول الكلام. في تواضعه إذ لم يكن مبتذلا ولا مترفعا. في عمليته التي لم تكن متخمة بالمادة أو مهووسة بالمظاهر إنما كان معتنيا بالذوق العام بأعلى ما يكون الذوق. وباختصار كان رجل المنتصف بجدراة.

ولنا أن نتساءل عن «أسعد» أحد مؤسسي موقع «دروب» والمتخصص في علوم الحاسب الآلي، الخبير في نظام ساب والمهتم بالعلوم البحتة والمنهج العلمي والتكنولوجيا والفلسفة، والذي قدم عدة محاضرات ثقافية عالية المستوى، والذي هوى التصوير الفوتوغرافي وتصميم الجرافيكس ثلاثي الأبعاد.. «أسعد» الكاتب والمُترجم. كيف يمكننا أن نتوقع مصيره؟ هل بجائزة دولية مثلا؟ أو هل عاد بريعٍ للوطن؟ لا..!!

عقل جميل كهذا انتهى الجمعة الفائتة معانقا الإسفلت بعد ارتطام مروع بشاحنة فاجأته باعتراضها منتصف الطريق. في ليلة غبراء باردة على طريق الأحساء خريص لأن مسؤولا ما ظن أنه ليس بتلك الأهمية أن يراعي هذا الطريق متطلبات السلامة قياسا ببقية طرق المملكة. ولأن مسؤولاً آخر ظن أنه ليس بتلك الأهمية أن يكون هناك مركز إسعاف على طول طريق يصل بين مدينتين من أهم مدن المملكة. ولأن مسؤولاً آخر ظن أن جباية «ساهر» وأسطول أمن الطرق من الأحرى به أن يكون على الطريق الموازي فقط. ولأن سائقا آسيويا أخذ به اليأس والاستعجال لئلا يلتزم بطرق قيادة آمنة.

وكأني بـ «أسعد» قال كلمته الأخيرة كما قال الإنجليزي «ويليام باتلر ييتس»

«أنا وازنتهم جميعاً،

أحضرتُ كل شيء للعقل،

السنوات التي ستأتي إهداراً للتنفس

إهداراً للتنفس، السنوات التي مضت

في اتزان لهذي الحياة

هذا الموت»..

وداعاً يا أسعدنا جميعاً..