آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

ظرافة مزعجة

محمد أحمد التاروتي *

يصاب المرء بالاعياء الشديدة بمجرد رؤية ”نكت سمجة“، نتيجة التكلف الزائد من لدن أصحابها، في صياغتها بطريقة بدائية او غير مفيدة، فالنظرة السريعة لهذه النوعية من النكات تكشف هوية أصحابها، والغايات المرجوة من وراء الاستمرار في اطلاق مثل هذه النكات ”البايخة“ وغير المضحكة، حيث يحاول أصحاب هذه النكات ”الباردة“ ركوب موجة ”الظرفاء“ بدون فائدة، نتيجة الافتقار لادنى مقومات كاريزما ”الكوميديا“ من جانب وانتهاج السبيل الخاطئ من جانب اخر، مما يجعل جميع المحاولات للدخول في قائمة ”الظرفاء“ غير ناجحة، مما يستدعي إعادة التفكير في منهجية الانتساب الى فريق ”الظرفاء“، عوضا من الاستمرار في الجادة الخاطئة.

المشكلة تكمن في عدم استيعاب أصحاب ”النكت المملة“، بضرورة الابتعاد عن ابتكار وسائل الاضحاك غير المجدية، نظرا لوجود موانع حقيقية ذات علاقة بالتركيبة العقلية، لهذه الفئة من جانب وعدم القدرة على ابتكار المفردات القادرة، على رسم البسمة على الشفاه من جانب اخر، الامر الذي ينعكس على هيئة عزوف، واشمئزاز من هذه الوسيلة ”التطفلية“، خصوصا وان موهبة ”الكوميديا“ ليست متاحة للجميع، فهي بحاجة الى عناصر عديدة، وقدرة على تحويل المفردة الجامدة الى متحركة، مما ينعكس على طريقة وضعها في قالب ”كوميدي“.

الدخول في عالم الظرفاء بحاجة الى مشوار طويل، وقدرة كبيرة على البداهة السريعة، وإمكانية التعامل بعفوية وظرافة، في خلق الأجواء الباسمة، فالعملية ليست عشوائية او متوارثة، وبالتالي فان محاولة الالتصاق بفريق الظرفاء ليس محفوفا بالزهور، او متاحا للجميع، الامر الذي يفسر بروز شخصيات بسرعة الصاروخ في عالم ”الكوميديا“، وفشل الكثير في الانتساب لهذا الفريق، نظرا للافتقار للقدرات والإمكانيات اللازمة، للبروز في مجال استثنائي، وغير مفتوح للجميع.

ادراك المرء لصعوبة الانخراط او التواجد في بيئة ”الظرفاء“، عنصر أساسي في انتهاج الطريق الصائب، والابتعاد عن محاولات التسلق بطريقة خاطئة، مما يشكل خطوة أساسية في البدء بالطريقة السليمة، من خلال وضع الخطوات الأساسية، وعدم القفز على المراحل بشكل سريع، وبالتالي فان الحصول على القناعات الأساسية، يدفع للاعتماد على الاليات المنهجية في التعامل بواقعة مع الظروف، مما يمهد الطريق لانتهاج الوسائل القادرة، على الدخول في عالم ”الكوميديا“، بحيث يسهم في ترك بصمة واضحة، في عالم النكتة والضحكة الهادفة.

تقمص أدوار غير لائقة يضع أصحابها، في امكان لا يحسدون عليها، خصوصا وان تصدر المواقع يتطلب مواصفات، وإمكانيات خاصة، مما ينعكس على القبول لدى الاخر، فالعملية ليست اجبارية او قهرية، بقدر ما تكون مرتبطة بالارتياح المتبادل، وبالتالي فان محاولة الظهور بمظهر الظرافة، ليس مقبولا من الجميع، فهناك عناصر قادرة على اختراق القلوب بطريقة محببة، نظرا لقدرتها على توظيف المواقف، والمفردات بشكل كوميدي، مما يحدث حالة من الانسجام والتلاقي العاطفي، واحيانا التوافق الفكري مع البيئة الاجتماعية، بينما يواجه أصحاب ”الظرافة الاقتحامية“ بجدار سميك من الرفض، وعدم القبول، نتيجة اللغة المستخدمة من جانب، وعدم القدرة على إشاعة البسمة العفوية من جانب اخر، مما يجعل هذا الفريق خارج عالم ”الظرافة“، بمختلف اشكالها.

لا يجد المرء صعوبة بالغة في اكتشاف فئة ”الكوميديا المزعجة“، فالمجتمع يعج بهذه الأصناف غير المهضومة، وغير المستساغة على الاطلاق، نظرا لطريقة التعامل مع الاخرين بشكل غير لائق، وبعيدا عن الاداب الاجتماعية، والمبادئ المتعارف عليها في عالم الفكاهة، الامر الذي يحدث حالة من النفور الاجتماعي، وانعدام ”كيمياء الانجداب“، بحيث تظهر على ردود الأفعال المختلفة، جراء التوظيف غير الموفق في التعاطي مع المواقف، مما يحدث انقلابا سريعا من ”الفكاهة“، الى الامتعاض والاشمئزاز والرفض التام، لهذه النوعية من الكوميديا المزعجة.

كاتب صحفي