آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

التستر والنمو

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

التستر ليس ظاهرة مغمورة بل متفشية بما يصل لنحو سدس الناتج المحلي الإجمالي، أي من بين كل ستة ريالات تحتسب ضمن الناتج المحلي الإجمالي، هناك ريال لا يحتسب ضمن اقتصادنا الملحي الرسمي، بعد التستر قائما في الأساس على المخادعة، فالظاهر شيء والباطن شيء آخر. والمضار جسيمة، فالحد الفاصل بين انكماش الاقتصاد ونموه في ظروفنا الحالية هو استعادة ثقة المستهلك والمستثمر على حد سواء، بإطلاق حزمة من المبادرات النوعية التنظيمية التي تتجه إلى علاج الأسواق أولا بأن ترفع كفاءتها. فكما أن طمأنة المستهلك مطلوبة، كما تناول هذا الحيز مطولا، كذلك فطمأنة المستثمر ضرورية وإلا فلن يستثمر أو سيستثمر في أضيق الحدود، بأن يتبع أسلوبا انتهازيا لتحقيق المكسب السريع وينشغل بملاحقة فرص المدى القصير، وليس أقصر مدى من استحلاب آفة ”التستر“ للاقتصاد السعودي، التي صدر بشأنها نظام وتكونت لمحاربتها لجنة وزارية رفيعة. وليس من شك أن ظاهرة التستر قد شخصت منذ أعوام طويلة، وتعددت الجهود الحكومية لمحاصرتها، لكن النتائج ما برحت دون المأمول.

وليس من المبالغة القول، إن ضررا فادحا لحق بالاقتصاد السعودي نتيجة التستر، نظرا إلى استشراء الظاهرة، فهناك تقديرات من مصادر رسمية أعلنت قبل أشهر أن حجم التستر التجاري قد يصل إلى 400 مليار ريال سنويا، أي ما يوازي 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن كل ما جني من غرامات على المتسترين خلال عامي 2017 و2018، بلغ نحو 10,5 مليون ريال.

الوافد المتستر عليه يتوجب عليه دفع ضريبة للخزانة العامة، لكنه يتهرب. النقطة الأساسية هنا هي كيفية تحصيل ما فات على الخزانة العامة من ضريبة دخل نتيجة لتهرب الوافد؟ بعد المنشآت المتستر عليها فلا تدفع - بطبيعة الحال - ضريبة دخل لمصلحة الضرائب، لتحرم بذلك الخزانة العامة من حقوقها. وعند التمعن نجد أن دخل الخزانة من ضريبة الدخل والأرباح لم يتجاوز 16 مليار ريال لعام 2019. وهذا أمر محير فعلا عند النظر لمستوى تحويلات الوافدين، التي بلغت 33 مليارا في الربع الأول من العام الحالي. وليس الهاجس هو تحويلات العمالة النظامية لما تكسبه من ممارسة أنشطة وفق النظام، بل هو: «1» منع التهرب الضريبي الناتج عن ممارسة الأنشطة خلف جدار التستر، وما يلحقه من نهب لإيرادات الخزينة وللمال العام. «2» الإضرار البالغ بأسواق السلع والخدمات من خلال اختلال تكافؤ فرص المنافسة، فتكاليف المنشآت المتستر عليها أقل، ولذا فهي تمتلك قدرة أكبر على البيع بأسعار أقل بما يلحق الضرر بالمنشآت الملتزمة بالأنظمة. «3» أضرار التستر متعددة تؤدي إلى جرائم منها غسل الأموال وتفريعاتها.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار