آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

فتح كربلاء ”5“

محمد أحمد التاروتي *

باتت كربلاء حديث الالسن على المستوى العالمي، اذ بمجرد دخول محرم الحرام يبدأ العزاء يخيم على الدنيا، حيث تجاوزت تفاصيل الفاجعة الكبرى البقعة الجغرافية الصغيرة، لتنطلق في مختلف ارجاء العالم.

فالمنابر التي تتناول معركة كربلاء، ليست مقصورة على اللسان العربي، وانما تشمل جميع اللغات الحية على المستوى العالمي، فلا تكاد تخلو بقعة على وجه الكره الارضيّة دون احياء هذه الملحمة، مما يعطي بعدا واضحا لمعنى الفتح المرافق ليوم عاشوراء، بحيث اضحى محرم الحرام شعارا خاصا للامام الحسين ، وذلك ترجمة لمقولة السيدة زينب ”وينصبون لهذا الطفّ عَلَماً لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يُدرَس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام. ولَيَجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً، وأمره إلا علوّاً“.

محاولات تحجيم واقعة الطف، والعمل حرف المعركة عن أهدافها الحقيقة، وجدت مقاومة شديدة من لدن محبي اهل البيت ، وأصحاب الضمائر الحية على المستوى العالم، حيث باتت مشاهد هذه لواقعة ومبادئها، تتردد بشكل يومي على الالسن، مما ساهم في الانتشار الواسع والسريع في شتى ارجاء الدنيا، اذ يتجلى في مظاهر الحزن والأسى، ولَبْس السواد مع دخول محرم الحرام، خصوصا وان قضية الحسين ليست مقصورة على شريحة معينة، وانما تشكل وقودا دائما لطالبي الحق، ورفض الظلم في كافة المجتمعات البشرية، الامر الذي يظهر في اتساع دائرة في المعركة لدى الشعوب، على اختلافها معتقداتها وتوجهاتها الفكرية والسياسية.

فتح كربلاء يجد مصاديق كثيرة على الواقع الخارجي، فهذه المعركة تجد تفاعلا كبيرا في مختلف أنحاء العالم، بحيث تتجاوز الجانب العاطفي، الذي يشكل احد الركائز الأساسية في الثورة الحسينية، فالاهتمام الواضح بيوم عاشوراء، ينطلق من المبادئ الدينية والأخلاقية والإنسانية، نظرا لوجود الكثير من الصور القادرة على تزويد المتلقي بالطاقة اللازمة للثبات على المبادئ، ورفض التنازل عنها، والوقوف امام التحديات المادية والمعنوية، خصوصا وان دراسة واقعة الطف لا تقتصر على جوانب محددة، وانما تتضمن مختلف الجوانب، فهي بمثابة البحر الذي يصعب الوصول الى قاعه، بمعنى اخر، فان فتح كربلاء ليست مقصورا على جانب واحد، فالدارس بامكانه الاغتراف من بحر كربلاء، بقدر امكانياته المحدودة، فكلما اتسعت الآفاق لدى المتلقي كلما اغترف بشكل اكبر.

قدرة واقعة الطف على اختراق الزمن، وتحطيم الطوق الاعلامي المفروض عليها، يمثل احدى الدلائل الملموسة لإدراك معاني ”الفتح“، فهذه الجريمة النكراء استطاعت فرض نفسها على التاريخ، بحيث يصعب تجاوزها على الاطلاق، فالإصرار على احياء هذه الفاجعة ومقاومة جميع محاولات طمسها، يكشف جانبا من العشق غير المسبوق لسيد الشهداء ، خصوصا وان السلطات الحاكمة حاولت بشتى الوسائل قمع شعائر عاشوا ء، بيد انها فشلت في مساعيها، جراء المقاومة غير المسبوقة من محبي اهل البيت ، فالأعمال التعسفية لطمس عاشوراء، بدأت مع الدولة الاموية، مرورا بالعهد العباسي، وانتهاء بالقرون المتأخرة.

سيطرة معركة كربلاء على العقول الحرة والضمائر الحية، يتمثل في الاستعداد المبكر لاحياء المناسبة الأليمة بشكل سنوي، حيث تنصب المنابر بجميع الدول العالمية، الامر الذي ساهم في إيصال هذه الرسالة النبيلة، التي وجدت محاصرة كبيرة من بعض السلطات الحاكمة، نظرا لقدرة الثورة الحسينية على تحريك النفوس، باتجاه الإصلاح ورفض الانحرافات بمختلف اشكالها، وبالتالي فان مواصلة الانتشار بشكل أفقي وعمودي لقضية عاشوراء، يمثل سرا من الاسرار الغيبية، والتي يصعب إدراكها، نظرا لوجود عناصر خفية قادرة على تذليل جميع الصعاب، واختراق كافة الحواجز المنصوبة في طريق القضية الحسينية.

ملحمة الطف قادرة على فتح الكثير من الأبواب بشكل مستمر، نظرا لاحتفاظها بالطاقة الكبيرة، لتزويد الجميع بما يحتاجه، لمواجهة هذه الرسالة الخالدة، فالعملية تتجاوز الاطار الزمني المحدود، لتستقر في التاريخ بكل اقتدار، الامر الذي يكشف الاحتضان غير المسبوق لهذه المأساة الكبرى، التي ارتكبتها الدولة الاموية على ارض كربلاء، من خلال الأقدام على قتل سِبْط الرسول، والثلة الصادقة من أصحابه، بطريقة بشعة وغير معهودة.

وقال الامام الحسين في رساله الى نبي هاشم ”اما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح“

كاتب صحفي