آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

فتح كربلاء ”6“

محمد أحمد التاروتي *

كسر الطوق الإعلامي على الجريمة الشنعاء وفشل محاولة التغطية على التفاصيل المروعة لفاجعة كربلاء، احدى سمات ”فتح كربلاء“، فقد تمكنت الفاجعة الأليمة من فضح كافة الممارسات الوحشية للجيش الاموي في يوم عاشوراء، بحيث باتت جميع الأمور واضحة للجميع، نظرا للدور المحوري الذي لعبته السيدة زينب في مقاومة الاعلام الاموي المضلل، الامر الذي ساهم في كشف الحقائق، على الملأ عبر تفنيد كافة الادعاءات ومختلف الأكاذيب، التي حاولت المنابر الإعلامية في تمرير الفاجعة النكراء.

حاولت الماكنة الإعلامية الاموية ”شرعنة“، جريمة قتل سيد الشهداء ، باعتباره ”واجبا شرعيا“، استنادا على فتوى الخروج عن الطاعة ورفض بيعة خليفة المسلمين، مما يستوجب القتل، من اجل منع ”شق عصا“ المسلمين، بيد الأمور سارت بعكس ما تشتهي رغبات الدولة الاموية، فقد تناقلت الالسن الكثير من التفاصيل المتعلقة بتلك الفاجعة الكبرى، مما وضع السلطة الحاكمة في موقف صعب للغاية، خصوصا وان الجريمة الوحشية استهدفت سبط الرسول الأعظم ﷺ، مما يجعل عملية القتل غير مقبولة على الاطلاق، نظرا لعدم وجود المبررات التي تسوغ تلك الطريقة البشعة من القتل، بالإضافة للاقدام على سبي النساء.

قدرة معركة كربلاء على الصمود، في وجه الماكنة الإعلامية الاموية، مرتبط بوجود عناصر قادرة على وضع النقاط الحروف، بالإضافة لرفض السكوت على الباطل، وعدم الخضوع لترهيب السلطة، حيث يتجلى ذلك في قول الامام السجاد في رده على عبيد الله بن زياد ”أبالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة“، وكذلك قول السيدة زينت في تفنيد ادعاءات ”: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَ سَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَ تُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ“، وبالتالي فان وجود الأصوات القادرة على فضح الزيف وكشف الحقائق، يشكل عنصر أساسي في وضع الأمور في النصاب السليم، خصوصا وان فقدان القدرة على إيضاح الأمور، يفتح الطريق امام الطرف الاخر لنشر الكذب وامتلاك الرأي العام، مما يصيب القضية العادلة بمقتل، الامر الذي يقود الى الخسارة، وذهاب التضحيات العظيمة، جراء الافتقار للعناصر القادرة، على تحريك الحقائق في الاتجاه الصائب.

بالرغم من تحرك الاعلام الرسمي للدولة الإعلامية لحشد الطاقات، وتسخير جميع الإمكانيات لتحريف اهداف الثورة الحسينية، من خلال تصويرها كنوع من الصراع السياسي، والخروج على السلطة الرسمية، فان تلك الجهود ذهبت ادراج الرياح، فقد استطاعت الدماء الطاهرة من فضح تلك الأغراض المشبوهة للسلطة الاموية، الامر الذي تمثل في رفع مستوى الوعي لدى الامة الإسلامية، بحيث تجلت في النقمة الكبرى على الدولة الاموية، خصوصا وان الجريمة البشعة أحدثت صدمة كبرى، نظرا للطريقة الدموية المستخدمة في المعركة غير المتكافئة عسكريا، مما ساهم في اخراج شريحة واسعة من الامة الإسلامية من الموقف ”الصامت“، الى رفع الصوت عبر فضح الممارسات الوحشية التي شهدتها واقعة الطف.

استطاعت القضية الحسينية عبر القرون تحريك الضمائر الحية، خصوصا وان معالم تلك الثورة ليست خافية على قسم كبير من المجتمعات البشرية، فهذه المعركة فضحت المستوى الأخلاقي للجيش الاموي، فمنع معسكر سيد الشهداء يتجاوز جميع القيم الإنسانية، فضلا عن المبادئ الشرعية، الامر الذي يكشف جانبا كبيرا من تلك الواقعة الأليمة، لاسيما وان الحروب العسكرية تحملها اعراف وتقاليد، وبالتالي فان نسف تلك الأعراف يعطي صورة واضحة عن طبيعة العقلية التي تحرك الجيش الاموي.

معركة كربلاء باتت حاضرة في الوجدان الإنسانية، نتيجة الحقائق الكبيرة التي كشفتها منذ اللحظات الأولى لبدء المعركة، الامر الذي ساهم في احداث انقسام واضح في البنية الاجتماعية، وكذلك النظرة الى المعارك بطريقة مغايرة تماما، فالقضية الحسينية تعرضت للكثير من التشويه، ومحاولات حرفها عن مبادئها، بيد انها استطاعت إعادة الأمور الى المسار السليم، نظرا لامتلاكها كافة المقومات اللازمة، للصمود في وجه التيارات المعاكسة، مما يعطي رؤية واضحة لقدرة قضية الامام الحسين ، على احداث فتح كبير في الضمير الإنساني على مر العصور.

وقال الامام الحسين في رساله الى نبي هاشم " اما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح".

كاتب صحفي