آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

نكران الجميل

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض لعبة ”الطعن من الظهر“ بشكل احترافي، باعتبارها وسيلة سهلة للوصول الى الأهداف المرسومة، بطريقة ”الورقة التي تربح بها العب بها“، وكذلك ”تمسكن حتى تتمكن“، حيث يعتبر مبدأ ”الغاية تبرر الوسيلة“ الشعار المعتمدة لدى هذه الفئة، من خلال استخدام جميع المبادئ غير الأخلاقية، في سبيل توجيه ضربات قاسية للصديق قبل الخصم، من اجل الحصول على المكاسب السريعة، والصعود بطريقة غير مشروعة بدون كفاءة وإمكانيات حقيقية.

انعدام المنظومة الأخلاقية يشكل احد العناصر الأساسية، وراء الانقلاب السريع، والاستدارة الكاملة في الاتجاه الاخر، فالبعض يمارس سلوك ”الوداعة“ والطيبة ودماثة الخلق، لاكتساب الثقة والحصول الاطمئنان، بهدف التعرف على المفاتيح الأساسية لعملية الوصول للقمة، بيد ان الطيبة تتحول الى سلوك عنفي، وممارسات مختلفة تماما، مما يكشف الوجه الحقيقي والجانب الخفي، الامر الذي يحدث صدمة كبرى لدى القريب والبعيد في الوقت نفسه، نظرا للتحول غير المفاجئ وغير المتوقع، حيث يظهر على اشكال متعددة ومختلفة من الممارسات الصادمة والمنافية للقيم الأخلاقية، من اجل كسب رضا بعض الأطراف والاحتفاظ بالمكاسب الجديدة، حيث يتجلى في ابتكار مختلف الاساليب لازاحة الاخرين من الطريق، من خلال اعتماد ”الكذب“ ونصب الافخاخ في الطريق، خصوصا وان عملية الاحتفاظ بالمناصب مرتبطة، بالقدرة على ممارسة هذه النوعية، من الحيل والأساليب الرخيصة.

عملية الانقلاب السريع، والتخلي عن المنظومة الأخلاقية، ليست مرتبطة بالسعى الحثيث للحصول على ”الكرسي“، فهناك الكثير من الفئات ترفض التنازل عن القيم الأخلاقية، مقابل الاحتفاظ بالمناصب ”الوقتية“، خصوصا وان تلك المناصب ليست حكرا على فئة ”لو دامت لغيرك لما وصلت لك“، وبالتالي فان نكران الجميل مرتبط بالسلوك الشخصي لبعض الفئات، بمعنى اخر، فان المنصب لا يضفي الوجاهة على أصحاب القيم الأخلاقية، فيما يعتبر بعض متسلقي المناصب، ان الكراسي عنصر أساسي، للحصول على الوجاهة، والتقدير في المجتمع، الامر الذي يتمثل في الإصرار على الإمساك بها، والرفض التام للحقائق الداعمة لصعوبة البقاء فيها للدوام، فهذه القناعات غير الحقيقية، تدفع لانتهاج ”نكران الجميل“، تجاه القريب والبعيد في الوقت نفسه، حيث تتحرك هذه الفئة بقناعات ”وهمية“ بوجود اطراف لديها مخططات خفية للإطاحة بها، والجلوس على تلك الكراسي.

النجاحات قصيرة الأمد في عبور بعض المحطات، يحفز على استمراء ”نكران الجميل“، من خلال التوسع في عمليات إيذاء الاخرين بطرق متعددة، خصوصا وان الزهو والاعجاب بالذات، يحرك ”النفس المريضة“ لمواصلة طريق ”طعن الظهر“، فالمكاسب السريعة، وغير المتوقعة تسيل لها اللعاب، وبالتالي فان الحصول على ثمار ”نكران الجميل“ يشجع بعض الشرائح المريضة، على اتخاذ هذه الوسيلة منهجا ثابتا في الحياة، لاسيما وان التمسك ”المبادئ الأخلاقية“ - بنظر هذه الفئة - سلعة غير مرغوبة في زمن ”ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب“، مما يفرض وضع مبادئ واقعية، قادرة على الصمود في زمن ”المصالح“، والابتعاد عن شعارات ”المبادئ“، غير القادرة على تحقيق المكاسب المطلوبة.

الفهم الخاطئ لطريقة الوصول للاهداف، يشكل احد العناصر في اعتماد سياسة ”نكران الجميل“، خصوصا وان الصعود السريع لبعض الأطراف ”المصلحية“، يشجع على اتخاذ هذه المسالك كمنهج حياة، باعتبارها الوسيلة الأكثر قدرة على امتلاك النفوذ الاجتماعي، والحصول على المكاسب الأخرى، من خلال استخدام الحيلة والمكر للتقرب، والكذب وسيلة للصعود، حيث تبدأ العملية بالتملق الزائف للدخول الى عالم ”نكران الجميل“، بهدف امتلاك مفاتيح هذه اللعبة غير الأخلاقية، بحيث يترجم بشكل سلوكيات عملية، ”اعلمه الرماية كل يوم.. فلما اشتد ساعده رماني“.

بكلمة، فان نكران الجميل سلوك ينم عن حقارة شديدة وخسة نفس، فالمرء الذي ينقلب على صاحبه، لا يجد الاحترام والتقدير من الاخرين، كما ان طريق ”نكران الجميل“ ليس سالكا على الدوام، فهذه الفئة معرضة للوقوع في شر أعمالها، من قبل اطراف أخرى تدين بالمستويات الأخلاقية نفسها، ”كما تدين تدان“.

كاتب صحفي