آخر تحديث: 19 / 7 / 2019م - 1:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

القطيف إلى الهاوية؟!

فراس الخنيزي

تتابع الأحداث والأخبار الإجرامية التي أصبحت تتداول بشكل يومي تقريبا وتحاكي في بعض الأحيان طابع أفلام الإثارة على الطريقة الغربية، والتي ليس من الممكن أن تُصدق لولا المعرفة الشخصية بضحاياها. هذه الحالة التي تمر بها منطقتنا ليست بالجديدة من حيث الطابع، ولكن الجديد هو التقارب ما بين الأحداث وتواليها رغم الوجود الأمني المكثف الذي أوضح بشكل كبير إنه غير مهتم سوى بالتضييق على الناس تحت مظلة العقاب الجماعي.

نستذكر هنا الأحداث الأخيرة التي شهدتها بلدة العوامية والتي تم تداولها على أساس طائفي وتحريض خارجي لجماعة محدودة، قاموا بإطلاقهم الرصاص على رجال الأمن وترتب على ذلك الحرب الإعلامية التي قادتها كل القنوات والصحف المحلية والأجنبية نتيجة للتصريحات الرسمية التي تخللها التشكيك والتعميم. نجد أن هذه الحادثة هي دليل واضح على انعدام الأمن في المنطقة وإن التسلح الغير مشروع موجود وبكثرة ولكن ليس بالـتأثير الذي قد يهدد أمن دولة بل يهدد استقرار منطقة والتي لا تتطلب التعزيزات الأمنية المبالغ فيها بقدر ما تستدعي المعالجة التوعوية والجزائية الفورية التي تُتخذ ضد أي مجرم عادي.

القطيف في السنوات الأخيرة ومازالت مكان يكثر فيه انعدام الأمن والسرقات والنهب والاعتداء والاغتصاب، وهذه حقيقة لا يستطيع أحد انكارها بل الجميع سيؤكد وجودها. ما حدث في العوامية هي نتاج أعوام للإهمال الواضح من مسؤولي الدولة وعدم التصدي لظواهر الفقر والبطالة المتفشية بالطرق السليمة والبناءة، التي قادت منطقتنا للعنف والتسلح والسرقات. خلال السنوات الأخيرة أستطيع أن أقول أنه أعطي المجال للمجرمين للتوسع وتكويين جماعات وعصابات وباتت واضحة وجلية. وليست الحكومة وحدها هي المسؤولة عن هذا التردي في البنية الاجتماعية والأخلاقية بل يتحمل مسؤوليتها بشكل كبير أهالي المنطقة وغياب الوعي، حتى بات حمل السلاح والتسويق له امر طبيعي وفي بعض الأحيان مداعاة للفخر بامتلاك السلاح أو معرفة كيفية الحصول عليه.

النتيجة اليوم تظهر علينا نحنُ سكان المنطقة، الذين كنا نتغنى في السابق عن أمن القطيف وتراحمنا وترابطنا الأخوي ووقوفنا ضد كل أشكال الظلم والعنف والإجرام وتمسكنا بالسلمية. نحن الذين طالما تغنينا بالمعرفة والفكر المستنير والحضارة المختلفة عن باقي مناطق المملكة قد بتنا في موقف وموقع حرج.

"لا يغير الله قوما حتى يغيروا ما بأنفسهم". ما زلنا نستطيع الإصلاح في داخلنا وذلك بنشر الوعي في داخل بيوتنا أولا ثم نخرج بها للشارع. يجب علينا تحكيم العقل مجددا وليست فقط عواطفنا، وأن نعود لزمن مد الأيادي للمحتاجين سوآءاً بالمادة أو بالنصح. انشغلنا كثيرا عن مشاكلنا الاجتماعية واتجهنا كثيرا تجاه المطالب السياسية والحقوقية «المشروعة». فهل هذه التوجهات والمطالب تعبر عن وعي مجتمع أم إنها حركة رمزية مجوفة لا تحوي معاني الإنسانية والتعبير عن الظلم. لا أستطيع أن أتخيل شخص قد يخرج ليطالب بحقوقه في النهار، وفي الليل يحمل السلاح ويقفز أسوار البيوت. لا أستطيع أن أتخيل شخصا يطالب بوقف التمييز العنصري ضده وهو يتغنى «عوامي، قلعاوي، قديحي،..». لا أستطيع أن أتخيل شخصا يدافع عن القضايا العادلة للشعب البحريني وفي نفس الوقت قد يشارك في عملية سطو مسلح واختطاف. لا أستطيع أن أتخيل شخصا يطالب بالوظيفة وحقوق الطائفة، ومهمته هي إغواء الشباب وترويج المخدرات.

اليوم أعترف بأننا كمجتمع قد أخفقنا، خذلنا نفسنا وخذلنا شبابنا، أغلقنا كل الشبابيك ما عدا نافذة صغيرة وضيقة لا تكاد ترى النور. نفتقد اليوم إلى الكثير وذلك بسبب تغييب الفكر المغاير، والاستبداد بالرأي وترك المشورة إلا لأصحاب "الاختصاص" الذين انشغلوا بتلقين الوعي الديني وتركوا الوعي الاجتماعي والعلمي يتدحرج على سلم الهاوية حيث تتجه المنطقة.