آخر تحديث: 24 / 9 / 2020م - 9:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

من متحول إلى ثابت

اشتكى صاحبي - ثابت - من غلبةِ الأيام ونكدها بعد أن كان شابا لا يهدأ، والآن وبعيد منتصف الطريق أتعبته الحياة فصار يراها بعينَي أبي العلاء المعري، كلها تعب ويعجب ممن يرغب في المزيد منها، فقلت له يا ثابت:

ها نحن نقترب من انتهاء فصل الصيف ليأتي بعده فصلٌ جديد أخف حرارة وأجمل. وفي هذا التغير نحن بيادق في لعبةِ الحياة بين ثوابتَ لا تتبدل ومتغيراتٍ لا تثبت ولا تقر، فهل لنا أن نلومَ الفصول أو نمنعَ تلونها وتشكلها وعدم ثباتها في فصلٍ واحد؟

حياتنا بين ثابتٍ ومتغير، ونحن بين الثابتِ والمتغير حقيقتنا يا صديقي أن نكبر ونشيب ونهرم، فأنا وأنت كنا شابين وكانت قدرتنا وقوتنا عارية أعطانا الله إياها، فلربما يأتي يومٌ تسترد العواري وتؤخذ منا وقد يتحول - لا سمح الله - النشاط والجمال إلى ضعفٍ وذبول. وحتى ياتي ذلك اليوم فلنعش الحياةَ بكلِّ تفاصيلها وفصولها وفيها الكثير. وما زال في كأسِ العمر من صبابة وبقية قليلة فلنرشفها، وكأن غدًا لن يأت، ولنعش الكهولةَ والشيخوخة مثل الكواكبِ في الأعالي، فإذا ما انتهت الحياة لا نسأل كيفَ انتهت!

لو بقينا ثابتين حتمًا تصبح الحياةُ الجميلة قبيحة ومنفرة يصعب تحمل آلامها. فليس إلا فناء الجسد وتحوله هو الذي يفتح فيها نافذةً وكوة نطل منها نحوَ عالمٍ آخر وجسرا نعبره نحو الخلود، حين نتحرر من سجن الدنيا المظلم. ومع كل هذا تبقى الحياة جميلة ومستطابة بما فيها من راحاتٍ بين الآلام وضحكاتٍ بين الدموع وأغنيات حبّ بين أهازيجِ الفراق. وأجمل ما في ثمالة العمر - يا ثابت - أنه يحيلنا أناسا نفيسين في يدِ الله وفي أيدي الناس، ومع ابيضاض كلِّ شعرة في رؤوسنا تزداد قلوبنا بياضًا ورقة، وعقولنا نضجًا وكمالا، فمرحى بالسبعين والثمانين والمائة.

ملخص لعبة الحياة يا صديقي أننا جئنا فيها نبكي دونَ اختيار ونخرج منها نبكي دون اختيار، نعيش آمالها وآلامها في عالمٍ تأتي فيه أممٌ ثم ترحل، فليس فيها من خالدٍ أو باقٍ إلا وجهه. وكأن الفيلسوف الخيام يخاطبنا نحن دونَ سوانا وليس كلَّ من جاءَ لكوكب الأرض:

إنَّ تلكَ النجومَ اللاتي يتكوَّرنَ في الأفلاكِ فيزيِّنَ الدهرَ

يأتينَ ويذهبنَ مع الزمانِ

وفي ذيلِ السَّماءِ وجيبِ الأرضِ

خَلقٌ يُولدونَ ما لمْ يَمِت اللهُ!

مستشار أعلى هندسة بترول