آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 12:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

انتزاعُ التجارب التعليمية من سِياقاتها!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

”التعلم حق لكل السعوديين“، مقالٌ نشرتُه في صحيفة ”الرياض“، 8 سبتمبر الجاري، وأتتني عليه تعليقات متنوعة، من كُتابٍ وصحافيين وأصدقاء أعتز بآرائهم، على اختلافها، لأن تعدد وجهات النظر من شأنه أن يثري النقاش في قضية حيوية، ألا وهي ”التعليم الجامعي“، وهو حقل يرتبط بمستقبل مئات آلاف السعوديين وعائلاتهم، وما لديهم من طموحات يودون تحقيقها، وعقباتٍ تحول دون ذلك.

صديقٌ دائماً ما يُتحفني بآرائه، أرسل لي التالي: ”في النظام العالمي الجامعات الحكومية تعتبر قصراً على مواطني المدينة أو المنطقة، وحتى إذا كان فيها رسوم مدعومة، تكون الأفضلية للساكنين“. مضيفاً ”الطلبة المواطنون تفرض عليهم رسوم مخفضة؛ فيما الطلبة المواطنون من مناطق أخرى، تفرض عليهم رسوم أعلى، أما الطلبة الأجانب فيدفعون رسوماً كاملة غير مخفضة، تبعاً لحق كل مدينة بدخلها المالي في دعم سكانها“، مبيناً أن ”هناك تبادل منح محدودة بين المناطق، تكون مشروطة بتميز وتفوق الطالب غير الساكن لذات المنطقة ممن تكون لديه مهارات عالية“.

الصديق العزيز، ينقل هنا تجربة التعليم في الولايات المتحدة، معتبراً أن ”أمركة“ نظام التعليم في السعودية، أي الاستفادة من تجربة الولايات المتحدة، من شأنه أن يمنح ”مرونه في جلب طلبة من خارج المناطق لزيادة الدخل، كما يزيد المنافسة، ويعطي حق التعليم الجامعي لذوي الدخل المحدود، بحيث يُستفاد من أموال الأغنياء خارج منطقتهم، مما يقلل العبء المادي على متوسطي الدخل، بنقل أبنائهم لمناطق أخرى، عدا أنه يعزز دخل الجامعة مادياً لتحسين وضعها من كل الجوانب“، معتبراً أن ”أفضل وأنجح نظام هو الأميركي“.

الملاحظات أعلاه تستحق النقاش، خصوصاً أنها تتحدث عن نظام تعليمي عريق، يعتمد اللامركزية، وتستقلُ فيه كل جامعة أو كلية أو معهد بقوانين تنظيمية خاصة، كون هذه المراكز التعليمية تابعة لحكومة الولاية، وليس للحكومة الفيدرالية، التي لا تمتلك أي كلية، سوى تلك التابعة للجيش والبحرية والدفاع.

الجامعات في الولايات المتحدة، لا تتبع الحكومة الفيدرالية، وهي بالتالي ممولة من دافعي الضرائب في كل ولاية، والضرائب هنالك تختلف بحسب الولايات، ولذا، كان طبيعياً جداً، ومنطقياً أن تكون الجامعات مخصصة لطلاب الولاية ذاتها، دون أن نغفل أنه رغم ذلك، هنالك توزيع حسابي، ونسبٌ متفاوتة، من أجل ألا تكون الجامعات ذات صبغة واحدة، فيؤدي ذلك لنوع من الانغلاق الثقافي، أو التراجع في المستوى الأكاديمي، أو تفوق عرقٍ على آخر، وهو ما سيتمُ التطرقُ له في مقالة لاحقة.

وزارة التعليم السعودية، عندما أتت وأعطت الجامعات شيئاً من الصلاحيات فيما يخص القبول والتسجيل، أخذت التجربة الأميركية، دون النظر لسياقاتها وتطورها، الأهم، القوانين التي تكفل المساواة والعدل في منح الفرص، وهم في ذلك سعوا لأن يكون التعليم متاحاً أمام الجميع، دون أن يُحرم منه أحدٌ، وفق أنظمة كل جامعة، وإلا حصل خللٌ وتفاوتٌ طبقي وثقافي بين أفراد الأمة الأميركية.