آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:37 ص

السعودي «البمبرة»

حسين العلق *

منذ نحو ثلاثة عقود بات للسعوديين قصب السبق والمشاركة في الحروب العبثية للآخرين، ولازالوا!. فمنذ الحرب الأفغانية مطلع ثمانينات القرن الماضي بدأ السعوديون في تحطيم الأرقام القياسية على هذا الصعيد، فقد كانوا يشكلون غالبية «المجاهدين» العرب هناك، وقد كان السعوديون 15 من أصل 19 من الخاطفين الذين ارتكبوا فاجعة 11 سبتمبر، وصولا إلى معسكر غوانتنامو الذي أبى السعوديون إلا تحطيم الرقم القياسي بين نزلائه، وبين هذا وذاك ظلوا يشكلون رقما يعتد به في هذه المصيبة أو تلك!.

تورط السعوديين هذا يشير إلى حقيقة واحدة وهي أننا شعب «ملاقيف» بامتياز. والملقوف خارج قواميس اللغة هو الشخص الذي يشبه «البمبرة» في الالتصاق بكل ما يعنيه وما لا يعنيه. والبمبر بحسب بعض التعريفات هي شجرة استوائية تزرع لدينا في الخليج ويطلق عليها الهمبو أو الجاو واسمها العلمي Cordia myxa.

هذا القدر من التورط في حروب عبثية المستفيد الأول والأخير منها هو بالتأكيد لسنا نحن، مما يكشف عن سذاجة ما بعدها سذاجة، بعيدا عن الأسباب العديدة الأخرى التي قطعت بحثا وتنقيبا.

السعودي بات ضحية تعليم وثقافة تجعل منه «رامبو» زمانه. هذا ليس من باب المبالغة ولا التهكم، فلسنا بحاجة لمزيد من التدقيق للوقوف على ذلك، فصور بعض الشباب السعودي في المحارق الجهادية هنا وهناك تكشف عن ذلك وأكثر. والجميع برسم السؤال عمن رسم في مخيلة شباب في مقتبل العمر هذا الخيال المريض الذي يدفع به إلى محارق لا ناقة له فيها ولا جمل. انها الثقافة الاجتماعية المشوهة يا سادة!.

لقافة السعوديين جعلت منهم مستوردين للصراعات الخارجية على أرضهم. فالحماس المبالغ فيه للقضايا والصراعات الخارجية، جعل الكثير منا يرتب عليها شبكة مصالحه وصداقاته وعداواته داخل البلاد ومع أقرب الناس اليه أحيانا.

ان من المفهوم جدا أن يكون للناس مواقف من مختلف القضايا، ومن المفهوم أيضا أن يحتفظ كل منا بمساحة يعبر فيها عن رأيه، بيد أن ما يجري في كثير من الأحيان هو أكثر من ذلك بكثير. اذ يكفي أن يندلع خلاف سياسي أو مذهبي أو تنشب أزمة في أي بلد مجاور أو غير مجاور إلا وتجد الارتدادات السلبية لتلك الأزمة أو ذلك الخلاف تتغلغل في صروحنا التعليمية وإعلامنا وأماكن العمل عندنا وصولا إلى ديوانياتنا. وبذلك صرنا مستوردين بامتياز لأحدث الصراعات الإقليمية التي تدمر نسيجنا الداخلي.

لا أريد أن أكون مثاليا بالمطلق لأفصل تماما بين ما ينبغي أو لا ينبغي أن نختلف عليه داخل مساحتنا الجغرافية. لكن كل ما أنادي به أن لا نستغرق في صراعات الآخرين، الكلامية والدموية، في البلدان الأخرى فنغرق نحن.. بعد أن يكون أولئك قد عادوا ربما إلى بعضهم «سمنا على عسل».

للفائدة أقول أنه مع حلاوة ثمر البمبر وولع البعض بها في مناطقنا، إلا ان مشكلتها الوحيدة والرئيسية أنها لزجة إلى حد يثير اشمئزاز الكثيرين منها فلا يقربوها، فيا سعودي لا تكن «بمبرة» الصراعات الاقليمية والدولية، السياسية والمذهبية، استيرادا وتصديرا.

كاتب سعودي