آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 3:49 م

التملق.. الولاء

محمد أحمد التاروتي *

يخلط البعض كثيرا بين التملق والولاء، بحيث يظهر في الكثير من المواقف الصغيرة والكبيرة، من اجل نيل ”الرضا“ من ”العم“، الامر الذي يجعله غير قادر على وضع الامور في النصاب الصحيح، جراء الانغماس الكامل في السير دون وعي وراء ”ولي نعتمه“، مما يؤثر كثيرا على شبكة العلاقات الخارجية، خصوصا وان البيئة الاجتماعية ترفض الذوبان الكامل في الاخر، نظرا لما تتركه من تداعيات على الصعيد الشخصي على المدى البعيد، وبالتالي فان محاولة اظهار التملق كنوع من الولاء غير مقبول على الاطلاق، نظرا لوجود فوارق كبيرة بين التملق والولاء.

التملق يشكل خطورة على الثقافة الشخصية، واستقرار القرار لدى الفرد، حيث يجد المرء نفسه غير قادر على اتخاذ القرارات الخاصة، انطلاقا من المخاوف من ”غضب“ ولي النعمة، مما يدفعه للسير وراء ”السيد“، بشكل اعمى في كل صغيرة وكبيرة، الامر الذي يضعه في زاوية حادة يصعب الخروج منها بسهولة، لاسيما وان الهفوة او الغلطة لا تغتفر على الاطلاق، باعتبارها ضريبة لقرار ”بيع الذات“ بالمجان لـ ”وعي النعمة“، بالتالي فان محاولات الانعتاق من التملق تواجه بالرفض، واحيانا العقاب الشديد والانتقامي، سواء على الصعيد الفردي او الجمعي، مما يجعل الامور اكثر صعوبة في جمع الكثير من الاحيان.

المسايرة واتخاذ المواقف ذاتها سواء كانت صحيحة او خاطئة، ليست قدرا محتوما على الجميع، فالمرء بامكانه التميير بين المواقف الصحيحة والخاطئة، مما يستدعي انتهاج الحيطة والحذر قبل الاقدام على كل خطوة، وبالتالي فان الانسان العاقل يتحرك وفق الرؤية الخاصة، بعيدا عن الاملاءات او المخاوف او الخشية من ”الاخر“، نظرا لامتلاكه القرار الشخصي فيما يتعلق بالكثير من القضايا، سواء علي صعيد العلاقات الشخصية او الاجتماعي، مما يفرض وضع دائرة خاصة للتحرك وفقها، بهدف التحريك الامور في الاتجاه السليم على الدوام، بمعنى اخر، فان انتهاج سياسة السير بدون وعي خلف ”ولي النعمة“، يترك اثارا سلبية سواء على المدى القصير او الامد الطويل، لاسيما وان اتخاذ المسارات ذاتها يلغي الاستقلالية الذاتية، ويعطي الاخر ورقة رابحة لممارسة الضغوط في المستقبل، خصوصا وان عمليات البيع بالمجان تنم عن قصور كبير في تقدير الذات، وغياب كبير للاستقلالية الخاصة.

مصير التملق البيع في سوق المزايدات، فالمرء الذي يبيع نفسه بالرخيص، لا يجد من يشتريه المجان على الاطلاق، بحيث يجد نفسه خارج المعادلة بدون سابق انذار، لاسيما وان ”ارباب النعمة“ على استعداد للتضحية، بهذه الشريحة بكل سهولة، نظرا لادراكها التام بعدم جدوى الاحتفاظ بهذه النماذج لفترة طويلة، الامر الذي يجعل شريحة التملق ورقة مطروحة، للبيع في المزايدات على الدوام، خصوصا وان الشعور بالعبء الكبير على استمرارية وجود هذه الفئة، يعطي ”ارباب النعمة“ مبررات حقيقية للتضحية بها، ومحاولة التخلص منها بشكل سريع، وبالتالي فان نتائج التملق تكون وخيمة على أصحابها، وتداعياتها كبيرة على نوعية العلاقات المستقبلية لهذه الشريحة، فعملية البحث عن بدائل تكون صعبة واحيانا مستحيلة، لاسيما وان اكتشاف حقيقة هذه الفئة يضع علامات استفهام كبيرة، في الحصول على الولاء والاخلاص.

الولاء صفة اخلاقية تنم عن مجموعة القيم، التي يحملها المرء، تجاه الاطراف التي يتعامل معها، بحيث يتجلى بمجموعة المواقف في الممارسات الحياتية، فالولاء لا يستدعي الذوبان الكامل في الاخر، حيث يظهر الولاء والإخلاص بشكل واضح في الرخاء والشدة، ”الصديق وقت الضيق، وبالتالي فان الولاء ليست معناه الموافقة على كل القرارات الخاصة، وانما محاولة تصحيح المسارات الخاطئة، باعتبارها احد المصاديق العملية للولاء، والعمل على انقاذ السفينة من الغرق بشتى الوسائل“ هلك من ليس له حكيم يرشده "، لاسيما وان الولاء يفرض التدخل في جميع الاحوال لتقديم المساعدة، والتحرك بشكل اخلاقي لتحريك المسارات بالاتجاهات الصحيحة، فهذه التحركات تارة تكون من منطلق المسؤولية الأخلاقية، واحيانا ترجمة عملية للمسؤولية الوطنية، وثالثة مصداقا لمبدأ الصداقة الحقيقية.

كاتب صحفي