آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 3:49 م

ثقافة البلع

محمد أحمد التاروتي *

تناقلت وسائل الاعلام خبر استخراج هاتف محمول من معدة مريض عربي، بعد مضي سبعة اشهر على ابتلاعه بعد رهان مع أصدقائه.

انتشار الحادثة على المستوى العالمي، مرتبط بغرابة الحادثة سواء بالقدرة على ابتلاع جهاز كبير من ناحية والقدرة على تحمل الالام لمدة طويلة من ناحية اخرى، بيد انها تكشف جانبا اخر في الحادثة، فالخبر يحمل في طياته نوعا من الثقافة السائدة، في عقلية بعض الفئات الاجتماعية، حيث تظهر تغلغل ثقافة ”البلع“ في اللاشعور لدى بعض الشرائح الاجتماعية، من خلال الاقدام على بعض الممارسات غير المتوازنة، او غير العقلانية، بهدف اظهار بعض السلوكيات غير المستقيمة مع المنطق، لاسيما وان التداعيات المترتبة على بعض الاعمال ”الخطيرة“، ليست خافية على الجميع، مما يجعل عملية الاقدام عليها غاية في الخطورة.

ثقافة البلع ليست مرتبطة بالاصرار على التهام بعض الاطمعة، ومحاولة الظهور بمظهر القوة في الوسط الاجتماعي، خصوصا وان البعض يحرص على الاضرار بحالته الصحية مقابل مواصلة ”البلع“ في مختلف المجالات، وعدم الاكتفاء باليسير من ”الطعام“، ”تعسا لمن ادخله بطنه النار“، فهناك من يموت من الجوع، واخر يهلك من التخمة.

خطورة التخمة على البيئة الاجتماعية تبقى محدودة، وليست قادرة على الاضرار بالوسط الاجتماعي، بيد انها تشكل ظاهرة سلبية في الثقافة الجمعية، مما يستدعي التحرك لمواجهة هذه الثقافة بطريقة عكسية، بهدف وضع الأمور في النصاب الصحيح ”خير الأمور اوسطها“، ”فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها“، فهذه الثقافة قادرة على احداث اختلالات في موازين الفكر الاجتماعي، مما يمهد الطريق لتكريس قناعات طارئة، او خارجة عن السياق الإنساني او العقلاني.

طغيان ثقافة البلع على التفكير الجمعي، يؤسس لانقلاب كبير في المفاهيم الاجتماعية، لاسيما وان سريان مفعول هذه القناعات في الممارسات اليومية، يكرس مبدأ الغاب ويقضي على الأسس الأخلاقية، والمفاهيم الإنسانية في البيئة الاجتماعية، بحيث تقود الى تغليب مبادئ القوة والقهر على حساب ”الرحمة“، ومبدأ التعاضد وثقافة التعاون بين مختلف الشرائح الاجتماعية، مما ينعكس على التعاملات اليومية في مختلف المجالات الحياتية، من خلال سيادة قانون ”القوي يأكل الضعيف“، وبالتالي الخطورة تكمن في وجود قناعات خارطة على الاخلاقيات الإنسانية، وكذلك تحكيم الاستحواذ والاعتداء على الاخرين، بهدف السيطرة على الأمور، واستخدام كافة السبل للوصول الى الغايات المرسومة.

التداعيات المترتبة على ثقافة ”البلع“ تكون غير مرئية في البداية، بيد انها سرعان ما تنتشر في جميع الاتجاهات ”كانتشار النار في الهشيم“، بحيث تحاصر الكثير من العقول الاجتماعي، خصوصا وان الطبيعة البشرية تميل الى ”حب السيطرة“، سواء على الاطار الضيق او الواسع، مما يسهم في انتشار مثل هذه المفاهيم بشكل سريع، الامر الذي يتمثل في الكثير من القرارات، والعديد من الاعمال في مختلف المجالات، وبالتالي فان ممارسات ”البلع“ المحدودة تجد طريقها، الى الثقافة الجمعية بطريقة خاطفة، مما يعطي انطباعات لدى بعض الشرائح، بضرورة انتهاج هذه الطريقة لمواكبة التفكير الجمعي السائد، نظرا لوجود محفزات ومغريات كثيرة، تقود للدخول في سباق ”البلع“ مع الاخرين.

انتشار ثقافة الاستحواذ والسيطرة على العقول، يمكن تلمسه في الكثير من الممارسات، حيث تلعب الماكنة الإعلامية دورا كبيرا في تهيئة الأجواء، لاسيما وان غسل الادمغة يمثل الطريق الاسهل للامساك بزمام الأمور، لاسيما وان ثقافة التعاضد والتعاون تشكل احد الأسلحة، الأكثر قدرة على مقاومة ”ثقافة البلع“، مما يستدعي التعامل بطريقة ذكية مع هذه النوعية من الثقافة، لمنع انتشارها في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان تسللها في العقول يشكل خطورة على طبيعة العلاقات الإنسانية، وتحكّم ”المصلحة“ على حساب المبادئ الأخلاقية، في جميع الممارسات اليومية.

كاتب صحفي