آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

التنين الصيني

عبد الرزاق الكوي

الصين المعروفة رسميا باسم جمهورية الصين الشعبية أعلن في 1 أكتوبر قيامها على أنقاض الجمهورية الصينية، هي الدولة الأكثر سكانا في العالم حيث يسكنها تقريبا 1,5 مليار نسمة، بالإرادة والتصميم وقهر الظروف تحولت خلال أقل من سبعين عاما من دولة زراعية معزولة وفقيرة إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم تمكن فيها أكثر من 850 مليون من الخروج من دائرة الفقر، استخدمت العدد الكبير من سكانها لخدمة مشروعها التنموي لتبرز كقوة اقتصادية وطنت عدد السكان الكبير حتى لا يكون عبء على الدولة وجعلته رائد هذه النهضة، حيث تمتلك القوة البشرية المدربة مما يعطيهم قوة في وضعهم الداخلي ومصداقية وثقة في تعاملهم الخارجي من جميع النواحي كشريك يمكن الاعتماد عليه، ففي عام 1978 كانت تمثل الرقم170 في الترتيب العالمي للدخل القومي، لتصبح غداة 34 عاما، الدولة الثانية في العالم للدخل القومي، حيث رفعت مستوى الإنتاج ومستوى الدخل وشبه قضت على ظاهرتي الجوع والأمية، لتصبح نموذج عالميا ولاعبا أساسياً فاعلا في المعادلة الدولية متخطية كل الضغوطات رافضه ان تظل تحت وصايا قوى كبرى، بل بناء علاقات دولية مشتركة وقوة إستراتيجية متعددة، ومنافسات على النطاق العالمي تبنى على المواثيق الدولية ومنظومات التعامل المشتركة، أصبح فيه عالم اليوم لا يخلو من الاستثمارات الصينية في كافة الاتجاهات التكنولوجية والعلمية والاقتصادية والعسكرية وغيرها بفاعلية ونظرة مستقبلية ببناء علاقات متعددة، حققت فيه بكل موثوقية ومكانة مرموقة بناء مستقبل مشرق ودور اقتصادي وسياسي متوازن بعيدا عن المصالح الفردية والضغوطات السياسية او التدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت مسميات وذرائع مختلفة، من نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، بل على مبدأ المصالح الاستراتيجية المتفق عليها واتفاقيات تتحقق فيها العدالة والخير للجميع.

هذه الشخصية القيادية والرائدة اليوم تتبوء المكانة الدولية كثاني قوة اقتصادية على النطاق العالمي، وتسعى جاهدة باعتمادها على المكون الشعبي والإرادة القوية والتخطيط السليم لتصبح القوة الاقتصادية الأولى، وتطوير البنية العسكرية كقوة رادعة من أجل الدفاع عن المكتسبات الاقتصادية، مما يعزز موقفها السياسي وهي ضمن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، واليوم هي قوة نووية لا يستهان بها تحتل المرتبة الثالثة عالميا في هذا المجال، وتحقق تقدم في شتى المجالات لبناء بنية تحتية قوية في التجارة الدولية كشريك موثوق يعتمد عليه في الإيفاء بالتزاماته وعهوده بين دولة ذات سيادة مع دولة أخرى ذات سيادة ومبدأ الاحترام المتبادل، تشكل واقعا جديدا يحسب له ألف حساب من قوى معادية تعيش على عقلية الحروب الباردة والمؤامرات المستمرة تحت مظلة العقلية الإستحواذية ومن ليس معنا فهو عدونا، فاليوم الصين تقف في وجه تفرد اي دولة في النواحي الاقتصادية والعسكرية والسياسية وغيرها، رافضة الانطواء تحت الوصايا الغير عادلة من قبل سياسات اكل الدهر عليها وشرب يريد عالم اليوم أن يتنفس من كل تلك الضغوطات وأنه ليس بقرة حلوب تصب في مصالح قوى احادية التفكير، فدوام الحال من المحال، فالحالة العالمية الرخوة التي يعتمد عليها في السيطرة لم تعد اليوم رخوة ولا مستسلمة بل لها قوة اقتصادية وعسكرية، تقف بالمرصاد ضد الفكر الاحادي وتنافس بقوة وشجاعة في وجه تيار جنون العظمة، وانتهى فيه الدولة الآمرة والناهية، التي لا تغرب عنها الشمس، وامطري حيث شئت... فخراجك لي، فالموازين تتغير سريعا والشرطي المتصلت على رقاب الناس لم يعد مقبولا عالميا ودوره إلى زوال، بدأت دول تبرز كدول مستقلة في سياساتها وبناء اقتصادها بعيدة عن النزاعات المفتعلة والمؤامرات الاستخبارية والفردية المقيتة، بل مصالح مشتركة تصب في المصلحة العامة، وان التفرد بمقاليد العالم بدأ بالانحسار تدريجيا فأحلام السيطرة بدأت تتبخر، دخل الساحة قوى جديدة على رأسها دولة الصين تعمل على بناء علاقات تجعل موازين القوى متعددة وليس تحت مظلة اطماع وجشع مجموعة خاصة وشركات عابرة للقارات.

العالم اليوم ينظر للتجربة الصينية بكل احترام وتقدير لما يشاهده من حسن التعامل ببناء شبكة من العلاقات الدولية حول العالم، عالم متعدد الأقطاب التعامل فيه بمصداقية وموثوقية، تشكل تحالفات من أجل أن تعم فائدتها الجميع، تشكل منعطفا هاما ان العلاقات تبنى بالتراضي والاستفادة من الخيرات بدون اطماع، وتسخير تقدمها التكنولوجي في خدمة المجتمعات الأخرى بدون شروط مسبقة واتفاقيات مهينة. هذا ما يجعل العالم أكثر نموا وازدهارا يعم فيه الخير وتصبح فيه اللغة الصينية مطلوبة للتعامل من أجل مستقبل واعد وأسلوب مهني ودبلوماسية راقية وتفكير سلمي.

هذا التقدم الجميع يتمناه في العالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، تبرز فيه كقوة فاعلة بتحالفات بين دولها وما تملك من طاقات بشرية وقوة اقتصادية ومكانة استراتيجية، لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه تجري الرياح في العالم الاسلامي بما لا تشتهي السفن، على أمل منتظر ان تفيق هذه الأمة المباركة من سباتها وتشكل قوة فاعلة تملك زمام أمرها في عالم سبقها الى مصاف التقدم الاقتصادي والتكنولوجي.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد عبدالمحسن
[ الدمام ]: 22 / 10 / 2020م - 2:18 م
لدى الصين خطط مستقبلية محكمة لتتربع الصدارة في جميع المجالات، وهي بالفعل تحقق سنوياً تقدماً ملموساً، لكن لغة الارقام تحدد موقعها على المستوى العالمي، فالمنتدى الإقتصادي العالمي أصدر تقريراً حول التنافسية العالمية لعام 2019 أوضح أن الصين تقع في المرتبة 28 أي أنها خارج العشرة الأوائل.
:: هل ستحقق الصين المرتبة الأولى عالمياً في السنوات المقبلة، الأيام كفيلة للكشف عن ذلك ..!!..