آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 12:44 م

وَأنَا خِلْوٌ مِنْ ذلِكَ كلِّه!

ضايقني أمرٌ في يومين اعتقدت أنه جَلَل وعظيم، فتذكرت أن جارًا لنا كان يقرأ ذكراً في شهرِ رمضان يعدِّد فيه أحوالَ الناس وما يحدث لهم؛ في الصحةِ والمرض والحبس والحرية والحرب والسلم والغربة والوطن، وفي الحياةِ والموت، ثم يشكر اللهَ على أنه ليس مبتلى مثلهم. فقلت أنظر في هذا الدعاء لعلني أجد حالةً تشبه حالتي أتسلى بها وأرجو اللهَ أن يكشفها في آنٍ واحد!

في الحقيقة لم أجد! وكل ما كان في ذلك الدعاء من حالات هي أكبر وأعظم من حالتي فاستحييت وكررت الجملةَ الأخيرة التي يكررها القارئ في نهايةِ كل حالة يستعرضها: ”فَلَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ مِنْ مُقْتَدِر لا يُغْلَبُ وَذي اَناة لا يَعْجَلُ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَاجْعَلْني لِنَعْمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ وَلالائِكَ مِنَ الذّاكِرين“.

وفعلاً، أيقنت بعد أن راجعت كاملَ الدعاء أن من يرى ويسمع مصائب وتعب غيره تهون عليه مصائبه. فهذا الشتاء القادم الذي أعتبره أنا فصلاً جميلاً ألبس فيه أجمل ملابسي الملونة، كم فيه من وجعٍ ومآسٍ على الفقراء الحفاةِ العراة في أنحاءِ العالم؟ هذا الشتاء الذي أجتمع أنا فيه وصغاري حولَ المدفأة نشرب الشايَ ونقص الحكايات، كم فيه من يعد الليالي والأيام فقط لينتهي هذا الفصل البارد القاسي ويأتي ما بعده؟ هذا الفصل الذي فيه إن جاء المطر فتحنا نوافذَ منزلنا لنراه يبلل الأرضَ ويغسلها ويسقي الزرعَ دون أن يبللنا، كم فيه من يتمنى أن المطر لا يأتي أبدًا؟

ولنا أن تتخيل كم في الحياة من كوابيس ومآسٍ نجونا منها، ليس لأننا أفضل أو أحبَّ إلى الله ممن حلت بهم. بل هي امتحان لنا ليبلونا أنشكر أم نكفر؟ وهي لا تعدو أن تكون سنناً كونية أجراها اللهُ للناس في عطائه، فمنعه عن هذا لا لاحتقار، وأعطاه لذاك لا لكرامة، بل اختباراً وامتحاناً لكليهما. طبعاً، المرء الفَهِم هو الذي يخشى انقلابَ أدوار الحياة ولا يأمن مكرَ الأيام، فإذا الذي اليوم يرى سقفَ داره مطرزاً بأجملِ النقوش والرسوم يراه غداً مطرزاً بنجوم السماء!

وكم قدرٍ دبَّ في غفلةٍ
فلم يشعر الناس حتى هجم

مستشار أعلى هندسة بترول