آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:02 ص

زلزال التكفير.. وقفة تأملية

الدكتور أحمد فتح الله *

أي متأمل في التراث الشيعي وأدبياته يلاحظ ما يثار في هذه الأيام، فكيف بالمتعمق؟!... فيه تكفير للآخر الخارجي «غير الشيعي عمومًا»، والداخلي «الشيعي المخالف إما للعقيدة الإثنا عشرية، أو لمن يشير إلى ما فيه من إرجاف، ناهيك عن من يرفضه أو يحاول تصحيحه وإصلاحه».

فلا نكابر، نحن في زمن لا تخفى فيه خافية، في جوالاتنا مكتبات شيعية بضغطة زر تفتح أي كتاب تريد.

فلينظف هذا التراث، أو نقول علنًا نحن لا نتبناه ولا نعمل به أو نسير على ضوئِه؛ هذا تراث كان نتاج حقب تاريخية اتسمت بالصراع العنيف، ونتاج فترات جهل.

أما اللعب باللغة، على طريقة ”فايغنشتين“، أو ”جورج أورول“ «اللغة المخادعة» يقوم به رجال السياسة والسلطة، وغيرهم، كرجال القانون والمال، لكن لا يناسب ولا ينبغي أن يكون من رجال الدين، من يتصدى للحق وقول الحق. فاللعب بمعاني مفردتي ”كفر“ و”كافر“ لا ينفع ولا يقنع، للأسباب التالية:

1 - القرآن الكريم واضح واستعماله لهما بَيَّن وصريح، فلغته عربية واضحة وهذه المفردات وأخواتها ليست من ”غريب القرآن“.

2 - الكلام هو عن فقهاء وكتب فقهاء، وآراء فقهاء بلغة فقهاء، فهذه المفردات تستعمل بمعناها الاصطلاحي والفقهي، فلو فتحنا أي معجم فقهي شيعي نجد معانيها والمراد منها.

3 - وكذا مفهوم ”الإيمان“، الذي يبرر به البعض قضية التكفير؛ مفردة ”إيمان“ و”مؤمن“ لها معنًى اصطلاحي خاص في الفقه والفكر الشيعي، معنًى معروف للجميع، عند ”العامة“ و”الخاصة“ وعند ”العوام“ و”الخواص“.

4 - كلمات ”كفر“ و”كافر“ في النصوص لم تأتِ عارية أو وحيدة، بل ملحوقة، بكلمات ”ضال، ومخلد في النار“ في أغلب الأحيان. كيف نفسر المتبوعات بوجود التابعات؟

فلا نكابر، علينا تنظيف وتنقيح هذا التراث ونقبل دعوات إصلاحه وتهذيبه ممن قام بها سابقًا وممن يقوم به الآن. الاعتراف بالمشكلة هو أول خطوة لحلها ثم تأتي الخطوات الأخرى، وإن كانت مؤلمة أو مكلفة. أمّا سؤال كيفية وطريقة الطرح وزمانه، فهي أسئلة يراد منها تعطيل الحل والعلاج. أما شخصنة الخلاف فهي وسيلة العاجز عن الرد والإقناع بالحجة والدليل، ولا يزيل المشكلة بل يفاقمها بخلق مشكلة موازية، أشد ضررًا من الأصلية. أضف إلى هذا، نحن في زمن ”الدولة الحديثة“ «القطرية» القائمة على مبدأ ”المواطنة“، فيجب التكيف مع هذا المفهوم وتبعاته، والتصرف في كل مفاصل الحياة بناءً عليه.

وفي الختام كلمة حق

إذا اتفقنا تمام الاتفاق على تنظيف التراث، ليس شرطًا أن نتفق مع فلان أو علان فيما يطرحه، خاصة إذا كان بنزعة تعميمية. فأنا بوصفي أكاديمي ضد النزعة التعميمية أصلاً، مع وجود قامات علمية في الفكر الشيعي المعاصر ترفض ”التكفير“ قولًا وسلوكًا. فعليه، وضع الجميع في سلة واحدة، كما يقال، لا يعني منطقيًّا إلا أحد أمرين «بحسب الحصر العقلي القائم على الترديد بين النفي والإثبات»: إما أن هؤلاء العلماء يُدلِّسون على الجمهور الشيعي والآخر وإما الْمُعَمِّم «صاحب التعميم» هو من يُدلِّس. وبمقاربة أخرى، أن الطرح على نحو العموم المطلق لا يشير إلا إلى شيء واحد، وهو أنه لا ينظر إلى «أو لا يرى» أصحاب الاعتدال، وإنما فقط ينظر إلى المتشبثين بالتراث الغابر، مع سحب الحكم على الجميع من خلال هذه الفئة، وهذا في حد ذاته يشكل مشكلة ويجانب العلمية والموضوعية والإنصاف. فعليه، المشروع الجدّي للإصلاح هو ما لا يصدر نتيجة ردة فعل؛ ولدينا نماذج يمكن الاحتذاء بها أو/و تقويتها. واتمنى تعددها وفاعليتها، كما أتمنى ممن يعتبرون علماء الاعتدال «وتلامذة المرحومين منهم» إبراز هذا الأمر علنًا وبقوة صراحة لا لبس فيها. [*] 

 

[*]  أشكر الأستاذ وديع الحماد على مداخلته والتفاتته التي قدحت الخاتمة، وتبني كثير من عباراته فيها.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
علي
[ تاروت الربيعية ]: 26 / 10 / 2020م - 2:16 م
الخطوة الأولى هي فهم التراث بشكل جيد, وذلك من قِبَل المختصين الموثوق بهم
إذا كنت لا تثق بهم وتحتمل تلاعبهم بالألفاظ فهذا شأن يخصك

بعض الناس: يا فقهاء كونوا دعاة للتعايش السلمي واتركوا مسائل الآخرة لله تعالى.

الفقيه: المخالف مسلم ظاهرًا فقط, أو ظاهرًا وواقعًا, وعلى القولين فهو محترم الدم والمال والعرض بل يجب الدفاع عنه وتحل ذبيحته و...

بعض الناس: لا, لازم تقول عنه بيروح الجنة! ولا تقول لينا واقعا وظاهرا ومؤمن ومسلم وكافر وما ادري ويش!
2
ر ع
[ القطيف / القديح ]: 26 / 10 / 2020م - 4:39 م
ماهي التبعات بعد الإعتقاد بالتكفير؟

أوليس العالم كله يكفر بعضه البعض؟
أوليس الانسان يكفر حتى بنعم ربه كل يوم عشرات المرات ويصدر منه شركيات خفية وهو مسلم موحد؟
من هو المسلم بالنسبة لمتشددي الغرب سواء المسيحي أو العلماني؟

أظن بأن مايحتاج للتأمل والإصلاح أولاً هي عقول الناس فالدين واحد والناس متعددة الآراء والرؤى والتفاسير ولن تتحد ولكن ربما تقف عند احترام رأي الآخر.
تاروت - القطيف