آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:30 م

بهارات!

كمال بن علي آل محسن

بعضُ المفرداتِ في حياتنا مؤثرةٌ وفعّالة: كالخبر أو المعلومةِ أو الرأي وما شابهها، ولها طرائقُ مختلفةٌ ومتعددةٌ ومتنوعةٌ عند نقلها إلى الآخرين، وهذا الأمرُ طبيعي - لا جدالَ فيها ولا لومَ - في يومياتِ الناس، ولكنّ العتبَ واللومَ يبدأ يلوحُ في الأفقِ ويصبحُ لازمًا ومؤكدًا عندما يكونُ النقلُ غير صحيحٍ بافتراءٍ وكذبٍ وتحريفٍ وتغييرٍ وزيادةٍ أو نقصان؛ مما يبدلُ في مضمونِ الخبرِ وحقيقته، ويغيرُ المعلومةَ تمامًا، ويقلبُ الرأيَّ رأسًا على عقب. والحكمُ على هذه الطريقةِ من النقلِ باتفاقِ الجميعِ وبلا مِرية بأنها مجانبةٌ للصواب، فهي خطأ واضحٌ بكل المقاييسِ الإنسانية.

عدا أنَّ هناك أسلوبًا منتشرًا - مع الأسف - في مجتمعنا في نقلِ الأخبارِ والمعلوماتِ والآراءِ وهو أسلوبُ ”فرض الفهم“ وهذا الأسلوبُ نراهُ رائجًا ويلقى قبولًا غير مبرر وغير مفهوم، مع أنه ربما يكون - من وجهة نظر شخصية - أكثر خطأ وأشد خطرًا على المجتمع بكل مكوناته؛ نظرًا للنتائجِ الكارثيةِ التي يسببها.

فرضُ الفهمِ يعني: إلزام الناسِ بما فهمنا من قراءةِ خبرٍ أو سماعِ معلومةٍ أو رأي، فنقوم بقصدٍ أو دونَ قصدٍ بنقلِ خبرٍ ما بما استوعبناه وليسَ كما جاءَ فعلًا، فيتغير بعضُ الخبرِ أو كله، والسبب في ذلك يعودُ ليس إلى النقلِ الحرفيِّ المجرد، وإنّما إلى النقلِ المصاحبِ للفهمِ الذي وصلنا إليه وأدركناه، ثم فرض ذلك الفهم من قبلنا على الآخرين.

إنَّ محاولةَ فرض فهمنا عند نقلنا للمشاهداتِ والآراءِ والأخبارِ والمعلومات تؤدي بالضرورةِ إلى فهمٍ آخر عند المتلقي يختلفُ بزيادةِ الزاويةِ من درجةٍ واحدةٍ كحدٍّ أدنى إلى ثلاث مئةٍ وستين درجة كحد أقصى، وهذا يعني حدوث بعض التغييرِ بحسبِ تغيِّرِ درجةِ الزاوية، ويتسعُ ذلك ويزداد كلما زدنا من جرعاتِ «فرض الفهم» أثناء إجراءِ عمليةِ النقل.

ولا تقفُ المسألةُ عندَ هذا الحدِّ فحسب، بل تتعاظمُ وتزدادُ اتساعًا؛ لأنَّ كلَّ مَنْ تصلُ إليه تلك المعلومة أو ذلك الرأي «سيقومُ بنثرِ بعض البهارات» أي فهمه هو دونَ مراعاةٍ للحقيقةِ فقد أصبحت مهملة ولا قيمة لها، وفهمنا هو الطاغي والمسيطرُ على الأمر برمَّته، وكأنَّ اهتمامنا تحوّلَ من نقلٍ الحقائقِ الصحيحةِ الخاليةِ من التغييرِ إلى نقلِ ما نريده نحن وما فهمناه، فنفرضُ رأينا على الرأي نفسه، ونضعُ الحقيقةَ التي نرغبها مكانَ الحقيقةِ الأصليةِ الواقعية.

إنَّ تبديلَ الحقائقِ والآراءِ وتغيير الأخبارِ يؤدي إلى أمورٍ سيئةٍ ومآلاتٍ شنيعة، ولعل أهمها تلك التي تتعلقُ بحياةِ الناسِ والنظرةِ إليهم، فتتأثر العلاقاتُ فيما بينهم وربما تتدمرُ كليًّا، وتُبْذَرُ خلافاتٌ شيطانيةٌ يتعهدها البعضُ بالرعايةِ والعناية - التي لا تستحقها - إلى أن تنموَ وتكبرَ كشجرةٍ قبيحةِ المنظر، ثمارها مُرَّةٌ كالحنظل، وذات طعمٍ غير مستساغٍ إلا لمن كانت له ظلًّا ومحلًّا ومرتعًا، ولا أظنُ أنَّ إنسانًا - بوصفه إنسان - سيأوي إليها!

العلاجُ بسيطٌ جدًّا، والأمرُ في غايةِ السهولةِ:

علينا أن ننقلَ - وبكل دقةٍ - الأخبارَ والحقائقَ والآراء كما هي مجردة من كل زيادةٍ أو نقصانٍ أو تغييرٍ في الألفاظ، وإذا لم نكن نمتلكُ مهارةَ النقلِ الصحيحِ الدقيقِ، فعلينا أن نلجمَ ألسنتنا ونُسكت ما بين لَحْيَيْنَا، فقوانين الدنيا صارمة وقوانين الآخرة عادلة.

إن وضعَ القليلِ من البهاراتِ في الطعامِ أثناءَ طهيه يجعله طيبَ الرائحةِ حسنَ المذاقِ، ولكن وضع «البهارات» في أخبارِ الناسِ وحياتهم قليلُهُ وكثيرُهُ - على حدٍّ سواء - يعطي رائحةً نتنةً ومذاقًا مزرٍ ومستكرهًا.