آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:30 م

كسوة الكعبة تصنع في الأحساء

محمد علي الحرز

نبذة تاريخية:

اشتهرت مدينة الأحساء منذ مئات السنين بصناعة النسيج، وخياطة المشالح «العبي» التي تصدرها لمختلف مناطق الخليج، وكان الأمراء والزعماء داخل البلاد وخارجها يفضلون البشت الحساوي لما يمتاز به من دقة صنع وجودة حياكة لا يجدوها في المناطق الأخرى، وهي صنعة توارثها الأحسائيون جيل بعد جيل، أكسبتهم سمعة وشهره بارزة جعلتهم يصدرون نتاجهم إلى دول الخليج كالبحرين والكويت والإمارات وعمان وقطر، وغيرها كالعراق وسوريا.

وكانت تختص بهذه المهنة عدد من الأسر الأحسائية عرفت بفنها وتميزها في هذه الصنعة، تنقلت في أفراد أسرتها جيلاً بعد جيل، منهم على سبيل المثال العمار، المهدي، الحرز، الخرس، المحمد صالح، الخواجه، الرمضان، القطان، البو ناصر، القضيب، النجار، الخميس، الجعفر، البوزيد، وغيرها من العوائل التي تعود شهرتها في هذا الفن لمئات السنين، ولو استغرقنا في التفاصيل لخرجنا عن الموضوع.

هذا الأمر كان الخلفية التاريخية وراء اختيار منطقة الأحساء بالخصوص للتكفل بصناعة كسوة الكعبة، لما يمتاز أهل هذه البلد من فن وذوق رفيع في الخياطة والحياكة ونسج جعلهم محل أعجاب كل من تعامل معهم.

ورغم ما لهذه المنطقة من إسهام في كسوة الكعبة ولو بشكل محدود نجد إن معظم المؤرخين لتاريخ كسوة الكعبة يتغافل لهذه الجزئية من تاريخ الأحساء ويتجاوزها دون تفصيل والتطرق للدور الأحسائي في هذا الجانب الهام من كسوة الكعبة.

فقد تشرفت الأحساء أن يكون له حضوة ونصيب في كسوة الكعبة المشرفة، في عدة مراحل سياسية، نوجزها على النحو التالي:

الأولى: الدولة السعودية الأولى:

ففي الدولة السعودية الأولى بعد أن سيطر الإمام سعود بن عبد العزيز على مكة المكرمة 1220 هـ ، واستطاع عزل الشريف غالب من إمارتها، منع دخول الحجاج الشاميين والمصريين من الدخول إلى مكة لما كان يراه من دخولهم في مواكب تتضمن الطبول والموسيقى بما يتعارض مع الشريعة الإسلامية، وكانت كسوة الكعبة يحضرونها معهم.

وفي هذه الحقبة وصلت الشهرة الأحسائية في صناعة العبي والنسج الأفاق، فكان الأشراف والأعيان في مكة يرتدون العباءة الأحسائية كنوع من التفاخر واعتراف بما لهذه البلد من فن وإتقان في صناعة العباءة.

فقد كان الشريف غالب بن مساعد «1202 - 1228 هـ » حاكم مكة كان يرتدي الملابس التي يرتديها كبار أهل مكة وعلى رأسه غطاء من الحرير وعليه عباءة صناعة الأحساء[1] ، لما تمتاز هذا البلد من جودة وتخصص في هذه الحرفة والصنعة.

هذه السمعة الطيبة والشهرة الواسعة؛ جعل الإمام سعود بن عبد العزيز يكلف الصناع والمهرة الأحسائيين بصنع كسوة للكعبة المشرفة، وذلك علم 1221 هـ ، فقد كسا الإمام الكعبة بكسوة أحسائية قيلانية، وصفها لطف الله بن أحمد جحاف اليمني «1189 - 1243 هـ »: «ولما نزل سعود إلى البيت أمر بأن تُنزع كسوته، وكسا الكعبة عباءة حساوية قيلانية، وهي من أفخر ما عندهم» [2] .

ووصف بن البشر الكسوة: «أنها كسيت في الأعوام التالية بالقيلان الأسود الفاخر وجُعل إزارها وكسوة بابها حريراً مطرزاً بالذهب والفضة، وفي بعض الأحيان تكون كسوة الباب من الحرير الأحمر» [3] .

وبعد دخول محمد علي باشا مكة تحدث عن كسوة الكعبة: «بأن العامودين وجدران الكعبة مغطاة من الأعلى حتى ارتفاع خمسة أقدام عن أرضية الكعبة بكسوة من حرير وردي اللون، يتخلله تطريزات فضية» [4] .

ويؤكد الدكتور عبد الله المطوع مصداقية هذه الرواية: «والحقيقة أن هذه الرواية معقولة جداً؛ لأن الأحساء جزء من دولة الإمام سعود، بالإضافة إلى أنها مشهورة بالحياكة وصناعة النسيج الجيد، ولهذا فلا يستغرب أن يكرم الإمام بل ويشرف أهالي تلك المنطقة بصناعة كسوة الكعبة المشرفة» [5] .

وفي السنوات التي تلتها من حكم الإمام سعود على مكة المكرمة، كانت تصنع كسوة الكعبة في الأحساء، وترسل إلى الحجاز لما وجد في التجربة الأولى من نجاح باهر وتميز، في الوقت الذي لم تكن أي منطقة من التي خاضعة للأمير سعود تمتلك هذه الموهبة والشهرة في الحياكة والخياطة للقيام بهذه المهمة العظيمة والشرف الكبير، في الصنع خلال حكم الإمام سعود الكبير على الحجاز من سنة 1221 هـ ، إلى عام 1227 هـ ، والتي انتهت بسيطرة محمد علي باشا عليها سنة 1228 هـ .

ففي هذه الحقبة توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة المشرفة مدة سبع سنوات حتى تستقر الأمور على أرض الحجاز، ولم ترسل للكعبة المشرفة كسوة من مصر سوى في شوال 1228 هـ [6] .

مكان صنع الكسوة:

للمرة الأولى نسجت كسوة الكعبة بالأحساء سنة 1221 هـ ، في بيت أحد أبناء عائلة الشمس، وبالتحديد في منزل عيسى بن شمس بمدينة المبرز، في شارع الحاكة في فريق «حي» المجابل، وكان في حقبة اشتهرت عدد من العوائل بحي المجابل بالمبرز بعمل نسج وخياطة المشالح، كعائلة السيافي، والبوعريش، والقديحي، والذي لا نستبعد أن يكون لهم مساهمة ومشاركة في نسج الكسوة الشريفة، إضافة لبعض النساج من مدينة الهفوف.

في السنة الثانية عام 1222 هـ ، انتقلت صناعة الكسوة إلى مدينة الهفوف وبالتحديد في منزل الشيخ أحمد بن عمر الملا «ت 1240 هـ »، الواقع في حي الكوت بفريق «حي» الرويضة، وذلك لأن منزله واسع، على مساحة ألف متر مربع، وكان ذلك بإشراف عبد الله بن إبراهيم السقوفي، وبعد الفراغ منها أرسلت إلى مكة عن طريق العقير إلى ميناء جدة، خشية عليها من قطاع الطرق المتربصين في زوايا الطريق وبين تلاعه[7] .

والجدير بالإشارة إن حي الكوت هو مركز الحياكة وصناعة العبي في الأحساء في تلك الحقبة حيث برزت مجموعة كبير من الأسر كانت مصنوعاتهم ومنسوجاتهم من العبي والمشالح تصدر إلى مختلف أصقاع الجزيرة، وهم سبب شهرتها الكبيرة، من أمثال: البوزيد، البو ناصر، الجعفر، الحرز، الخرس، الخميس، الخواجه، الرمضان، العمار، القضيب، القطان، المحمد صالح، المهدي، النجار، وغيرها.

ونتيجة للإتقان والجودة استمرت صناعة الكسوة في الأحساء إلى آخر عهد الدولة السعودية الأولى سنة 1227 هـ ، متنقلاً نسجها بين مدينة المبرز والهفوف.

الثانية: عهد الملك عبد العزيز آل سعود:

نبذة تاريخية:

لن نتوغل في تاريخ صناعة كسوة الكعبة عبر التاريخ كي لا يخرجنا عن إطار بحثنا، ولكن نشير إلى بدايات العقد الرابع من القرن الخامس عشر الهجري، حيث تشير المصادر إلى أن كسوة الكعبة منذ سنة 1229 هـ ، إلى سنة 1340 هـ ، أي ما يقارب «11» سنة كانت تأتي من مصر ثم أوقفت مصر إرسالها في سنة 1341 هـ ، فكساها الشريف حسين بالكسوة التي بعثت بها الدولة العثمانية منذ سنة 1333 هـ ، وذلك بسبب التوتر الذي نشأ بين الشريف حسين والملك فؤاد الأول، ثم قامت مصر بإرسال كسوة الكعبة سنة 1342 هـ ، مرة أخرى.

إلا أنها عادت في سنة 1343 هـ  إلى انقطاعها من جديد بسبب دخول الملك عبد العزيز آل سعود الحجاز والاستيلاء عليها سنة 1343 هـ [8] ، فكساها الملك في هذه السنة بكسوة من صنع الأحساء[9] .

كسوة الكعبة سنة 1343 هـ  في المصادر التاريخية:

كسيت الكعبة في صباح يوم عيد الأضحى من عام 1343 هـ ، بكسوة جديدة من صنع الأحساء[10] ، وقد بلغ عدد الحجاج تلك السنة مائة ألف من داخل نجد وملحقاتها، وما يقارب من السبعة آلاف حاج من خارج الديار العربية.

وقد نشر ذلك في جريدة أم القرى الصادرة من مكة في حينه في عددها الأول: «أن الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه -، وعندما كان في الحجاز لم تأتِ الكسوة للكعبة كما هو معتاد. عندها أمر جلالته رحمه الله بعمل الكسوة الشريفة بالأحساء[11] ، وبالفعل تم نسجها وتطريزها على أكمل وجه وأرسلت من الأحساء لمكة المكرمة في حينه ووضعت على الكعبة المشرفة صبيحة يوم عيد الأضحى المبارك عام 1343 هجرية 1925م» [12] .

وقد أشار الشيخ محمد طاهر كردي في كتابه: التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، نقلا عن تاريخ الغازي: أن كسوة الكعبة سنة 1343 هـ ، كانت من صنع الأحساء بأمر من الملك عبد العزيز [13] .

وإليك أخير نص الخبر تحت عنوان: «كسوة الكعبة المشرفة»: «فاتنا نذكر في الجزء الماضي من الجريدة خبر الكسوة الجديدة التي وضعت على الكعبة المشرفة صباح يوم عيد الأضحى، وقد تأخر مجيء الكسوة التي تأتي من الديار المصرية فاستعيض عنها بكسوة من صنع الأحساء في الديار النجدية» [14] .

ومن هذا الكلام كله نخرج بعدة أمور من أهمها:

- إن أول كسوة للكعبة كانت بعد دخول مكة المكرمة تحت الحكم السعودي، صنعت على يد النساجين الأحسائيين، وذلك سنة 1343 هـ .

- أن الكسوة للكعبة المشرفة كانت «مكسوة كسوة فاخرة» كما يقول أحمد عبد الغفور، مما أدهش الحجاج المصريين وحكومتهم، أي لم تكن تقل مستوى عن الصناعة المصرية، إن لم تكن تفوقها، وهذا يؤكد عدم صحة القول أن الملك عبد العزيز وضع للكعبة كسوة سنة 1333 هـ ، وإلا لكان المصريون تعرفوا عليها أنها من صنعهم، بل ستكون بدل الإعجاب، محل سخرية وتهكم أن الملك لم يستطع إحضار كسوة جديدة للكعبة المشرفة.

- شهرة الأحساء الكبيرة في الحباكة ونسج الخيوط وفن التطريز ساهم في وقوع اختيار الملك عبد العزيز عليها لصنع ونسج الكسوة التي تعد من أعظم المهام تشريفاً، كما أنه يشكل تحدياً أمام الأحسائيين بإنتاج عمل يتوافق مع مستوى وجودة كسوة الكعبة خلال الأعوام الماضية المصنوعة من أبرع المهرة المتمرسين، بحيث لا يلحظ الحاج ومرتاد بيت الله الحرام اختلاف في المستوى والإتقان.

مكان صنع الكسوة في الأحساء

وهي من المسائل التي شغلت الأحسائيين والباحثين فيها بحثاً وتنقيباً وتفاخراً لعظم الأمر وأهميته، لذا سنحاول هنا الاستفادة مما نشر وتناقله الأحسائيون حول مكان صنع الكسوة سواء خلال الدولة السعودية الأولى أو الثالثة، والأسر العاملة في هذه المهمة الجليلة والعظيمة.

كان محل الصنع في منزل في حي المجابل بمدينة المبرز في منزل لأسرة الموسى، والذي يؤسف له أننا لم نعرف أسماء المشاركين في صنع الكسوة.

إضافة إلى قرية الجرن القابعة في شمال الأحساء الشهيرة بالصناعات الخوصية والمداد، ساهم رجالاتها ونسائها في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في أول عهده، في صناعة المداد «الحصر» للحرم المكي وقد استمر ذلك لعدة سنوات.


[1]  إمارة الشريف غالب بن مساعد في مكة 1202 - 1228 هـ ، مصدر سابق: 106.
[2]  جحاف، لطف الله بن أحمد، درر نحور الحور العين بسيرة الإمام المنصور علي وأعلام دولتة الميامين 1189 - 1224 هـ / 1775 - 1809م، تحقيق: إبراهيم بن أحمد المقحفي، مكتبة الإرشاد: صنعاء، الطبعة الأولى: 1425 هـ : 753.
[3] عنوان المجد في تاريخ نجد، مصدر سابق: 1 / 295.
[4] إدارة مكة المكرمة في عهد الدولة السعودية الأولى: د. عبد الله بن محمد المطوع، مجلة الدارة، العدد الأولى المحرم 1429 هـ ، السنة الرابعة والثلاثون: 97.
[5]  مجلة الدارة، العدد الأولى المحرم 1429 هـ ، مصدر سابق: 96.
[6]  حلمي، إبراهيم، كسوة الكعبة المشرفة وفنون الحجاج، كتاب اليوم يصدر عن مؤسسة أخبار اليوم: القاهرة، [د. ت]: العدد: 320:59.
[7]  لقاء منتشر في وسائل التواصل مع الدكتور عبد الإله الملا، حول مكان صنع كسوة الكعبة في الأحساء.
[8] مؤذن، أعداد الطالب عبد العزيز عبد الرحمن، كسوة الكعبة وطرزها الفنية منذ العصر العثماني، إشراف الأستاذ الدكتور محمد رياض العتر، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في قسم الحضارة والنظم الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة 1401 - 1402 هـ ، غير منشورة: 286.
[9] كسوة الكعبة وطرزها الفنية منذ العصر العثماني، الهامش: 286.
[10] الغازي، عبد الله المكي الحنفي، إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام مع تعليقة المسمى بإتمام الكلام، دراسة وتحقيق: ا. د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكتبة الأسدي للنشر والتوزيع: مكة المكرمة، الطبعة الأولى: 1430 هـ - 2009م: 5/ 73.
[11]  التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، مصدر سابق: 3 / 569.
[12]  جريدة «أم القرى» بعددها 29 بتاريخ 25 ذي الحجة 1343 هـ ، في صفحة: «حوادث محلية».
[13] الكعبة المشرفة وكسوتها، د محمد بن سعد الشويعر، جريدة الجزيرة: الجمعة 15 شوال 1420 العدد 9976.
[14]  جريدة «أم القرى» بعددها 29 بتاريخ 25 ذي الحجة 1343 هـ ، في صفحة: «حوادث محلية»،