آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

فرق تسد

عبد الرزاق الكوي

فَرِّق تَسُدْ هو مصطلح سياسي واقتصادي عسكري ويعني تفريق قوة الخصم الكبيرة إلى أقسام متفرقة لتصبح أقل قوة وهي غير متحدة مع بعضها البعض مما يسهل التعامل معها كذلك يتطرق المصطلح للقوى المتفرقة التي لم يسبق أن اتحدت والتي يراد منعها من الإتحاد وتشكيل قوة كبيرة يصعب التعامل معها.

وسياسة فرق تسد ليست بسياسة جديدة بل هي قديمة قدم السياسة نفسها حيث طبقها السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخليا واحدة ضد الأخرى.

والاستعمار في شكله الحالي ومنذ نشأته في بداية سبعينات القرن التاسع عشر طبق هذا الأسلوب القديم في السياسة لنفس الأغراض والأهداف ومن أجل إظفاء الشرعية على احتلاله لبلد ما من خلال الظهور. ويبدو أن سياسة فرق تسد، لأن استعباد شعب ما والاستيلاء على أراضيه وثرواته يتطلب أولاً إنهاك قواها العسكرية والاقتصادية لغرض تسهيل العملية وتقليص تكاليفها. وهذا يتم عادة من خلال إثارة الفتنة الطائفية والتحريض على العنصرية ونشر روح الانتقام بين الطوائف والطبقات المكونة لهذا الشعب وإشعال حروب داخلية وخارجية تنتهى بإنهاك قوى كافة الأطراف، وهو مبدأ يقوم على الغدر والكراهية والكذب والنفاق ويصل إلى الإجرام واشعال الحروب ويذهب جراء ذلك ملايين الضحايا وتفتت الدول، بفكر شيطاني لا يراعي المواثيق والأعراف الدولية ولا الانسانية، فالطامعون بمقدرات الشعوب يسعون جاهدين لأن لا تقوم لأي دولة سيادة على مقدراتها واستقلاليتها، تحاك المؤمرات والفتن حتى تظل تحت الوصايا بشتى السبل الغير مشروعة وتحت الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي، والعمل الجاد الى تقسيم الدول الى دويلات متناحرة، وطائفية مقيتة وعنصرية متوحشة، وخلافات حزبية أنانية، أو دينية أو مذهبية او عرقية او مناطقية، كلا حسب الظروف المساعدة والبيئة الجاهزة لهذا المشروع الخبيث، وصولا للخلافات بين الدول من خلافات حدودية، او منافع معينة او نفوذ عالمي، وهذا الأمر يوجد حتى على النطاق المحلي بين العوائل المختلفة وسيعيهم للنفوذ والوجاهة، وعلى نطاق العمل بشتى انواعه، يخلق البعض الفتن من أجل الوصول إلى مبتغاه.

هذا المبدأ الخبيث يجد أشخاص على مستواه ويعمل طابور لخدمة الأجندة، هذه البيئة الفاسدة هي ضالتهم لتنفيذ مخططات تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ، وهذا ما يشاهد على أرض الواقع، عندما ارادت القوى العظمى السيطرة على القارة الهندية أشعلت فتيل الحرب بين المسلمين والهندوس وأوجدت بؤرة تشتعل بين الحين والآخر كشمير المتنازع عليه، وفي مصر بين المسلمين والأقباط، والعراق بين المذاهب المختلفة، في لبنان بين المسيحيين والمسلمين، وفي سوريا بين العلوين والطوائف الاخرى، والسودان بين الشمال والجنوب، وقس على ذلك كثيرا من الدول حسب نقطة الضعف التي يستطيعون الوصول من خلالها لمبتغاهم.

يعمل كل ذلك تحت ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية وحصار وتهديد بعدم احترام حقوق الإنسان وعدم وجود ديمقراطية وتدريب شعوب المنطقة على التحضر وغيرها من الأسباب الماكرة والخطيرة تحت هالة إعلامية ضخمة وضعف المحافل الدولية في التصدي لهذه الأطماع.

وأن ما يشجع على ذلك الأنانية الفردية وضعف الانتماء الوطني وحب الذات وغياب مفهوم المواطنة والعمل على حماية المكتسبات من خطر سراق خيرات الشعوب، فلا ينفك من هذا المخطط احد، وما تعيشه الان ليبيا من بعد العراق وسوريا خير شاهد على مثل تلك المخططات التي برعوا فيها ووجدوا البيئات المناسبة لوجودهم وسيطرتهم والضحية الأبرياء لم تسلم ثرواتهم ولا ارواحهم من ظلم لا ينقطع مكره ولا تخف وحشيته.

فمنذ بداية القرن العشرين لم تهنأ كثير من البلاد الاسلامية بإستقرار وراحة بال، من سيء الى اسوء، تفعل الاختلافات والعمل على جعل كل دولة تقسم الى دويلات او كيانات باللعب على التناقضات التي يعيش فيها العالم الاسلامي اختلافات مستمرة، تستنزف خيرات ومكتسبات الدول وتعطيل مسيرة التنمية والعمل كدول مستقلة صاحبة سيادة على شعبها ومقدراتها، وإجتثاث حضارتها وإعادة تركيب سياسة الدول حسب اطماعها ومصالحها الشخصية البحتة بدون النظر ما يصيب العالم من هوان وتدمير، يصل الى اللعب بالواقع الجغرافي للدول.

فالاتحاد الأمل بغدا افضل، وتكاتف الجهود من أجل أوطان تعيش بسلام، ان اختلاف المجتمع الواحد والأمة الواحدة، بطائفية او عنصرية او عرقية او قبلية كلها خطط خبيثة الكل مسؤول عن الوقوف في وجهها بتفعيل روح المواطنة والتآخي بين أفراد المجتمع الواحد والدول مع بعضها، من اجل جني ثمار هذا العمل للصالح العام، ليكن الجميع ضد المجموعات التكفيرية التي هي اداة من أدوات فرق تسد تحت مسميات إسلامية والإسلام منهم برآء، العالم الإسلامي يحتاج تفعيل العقل، ومعرفة خطر تلك المخططات العبثية، والانفكاك من الهيمنة والقيود الظالمة.

قال تعالى: «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من الفاسدين».

كلما كانت البيئة خصبة لهم سوف يستمرون بتدمير البنى التحتية والعيش على التناقضات ودق الأسافين بين أطياف المجتمعات.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد عبدالمحسن
[ الدمام ]: 30 / 10 / 2020م - 2:48 م
بعض المصطلحات اللغوية تفر منها النفوس الأبية وذلك لإدراكها بالأثر الذي تخلفه تلك المصطلحات في واقع الحياة.
الأمة أبتليت بهذا الداء القاتل الذي يفرق بين الأخ وأخيه، بل تخطى ذلك إلى تمزيق شعوباً بسبب هذا الفيروس المسمى - فرق تسد - حتى بات الإنسان العاقل في حيرة من أمره وهو يرى قادة هذا النهج الشيطاني تجر بعض الناس إلى الهاوية..!!..