آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

تحفة من الإمام العسكري

ورد عن الإمام العسكري : من الفواقر التي تقصم الظهر، جار إن رأى حسنة أطفاها، وإن رأى سيئة أفشاها» «بحار الانوار ج 75 ص 372».

يشير الإمام الحسن إلى فاقرة أي مصيبة كبرى تداهم المرء وابتلاء شديد يثقل على ظهره بقوة ألا وهو مجاورة جار السوء، فإن الضرر يتنوع ويكثر منه بسبب قربه المكاني والقدرة على الاطلاع على خصوصيات وأسرار جيرانه، مما يمكنه من استغلالها استغلالا سيئا يعمل فيه على تدمير السمعة الطيبة لجاره.

وهذه الإنارة العسكرية توجه إلى أهمية اختيار الجيران فهم بمثابة الأقرباء الذين تكون معهم علاقات خاصة ولحمة وطيدة، ينبغي توجيهها نحو الثقة والتعاون والمشاورة والتكاتف واستعمال لغة الاحترام والتقدير، ومكمن الخطر في علاقة الجيرة هو وجود جار انتهازي مؤذ لا يحترم جدارية مهمة في العلاقة مع جيرانه، فيوجه لهم سهام الغدر والأذى لما يعانيه من مرض أخلاقي مقيت هو الحقد والحسد، إذ أنه يعقد المقارنات مع جيرانه ويتمنى تدميرهم وزوال كل المميزات التي يحظون بها من تفوق وسعادة وراحة بال، وقد يكون الدافع لأذية الجيران هو روح الفضولية والتطفل ودس الأنف في كل شيء، فيؤرقه خفاء أحوال وخصوصيات جيرانه عليه فيشد همته على التلصص والتقصي والبحث الحثيث للتعرف على دقائق حياتهم، فيعبث بتلك الخصوصيات التي يظفر بها من خلال نثرها في المجالس وبثها وكأنها نشرة إخبارية، لا يرعى في ذلك حرمة البيوت ولا يردعه الخوف من الله تعالى.

ولا يخفى علينا مفهوم هذا التوجيه من خلال عكس الصورة التي يحدثنا فيها الإمام عن جار السوء، والتي تدعو إلى إقامة علاقات متينة بين الجيران وغرس ثقافة الاهتمام بالجار في نفوس أفراد الأسرة، وتقديم القدوة الحسنة في التعامل الأخوي مع الجار بتفقد أحوالهم والسؤال عن شئونهم، كما يبدي كل طرق تقديم العون والمساعدة بكافة أشكالها، فإن إطار التفاهم والحوار والمشاركة يسهم في تسهيل أمور حياة الجيران ويعزز المحبة والوئام بينهم.

يتحدث الإمام العسكري عن علامتين لجار السوء الذي لا يألو جهدا في تقديم الخراب والدمار لجيرانه حتى أنهم ليأسفون على مجاورته والتعامل معه، فالعلامة الأولى هي عمله على إخفاء ومواراة كل أمر حسن في سيرة جيرانه؛ لئلا يحظوا بالاهتمام والإعجاب من الآخرين لوجود تلك الصفات الرائعة فيهم، ومنشأ هذا التجاهل للوجه الجمالي والتعامل الإيجابي عند الجيران هو الخبث واللؤم الذي يتصف به جار السوء، فإن نفسه البغيضة لا تتحمل رؤية روائع الصفات من الآخرين - وخصوصا جيرانه - لشعوره بالنقص والقزمية أمام شموخ شمائلهم، كما أنه ينبيء عن خبث السريرة وغش الناس والعمل على تشويه سمعة وصورة شخصية جيرانه لعل نفسه المريضة تهدأ بذلك، والعلامة الأخرى هي بث الزلات لجيرانه دون إدراك لمخاطر تصرفه هذا.

وبلا شك أن جار السوء يأخذ دور التلصص والتتبع واستراق أخبار الجيران؛ ليعمل في مختبأ بيته لصياغتها وفق أهدافه الخبيثة بما يسقط قدر جيرانه في أعين الناس، معتمدا على قاعدة مستقرة في النفوس بأن الجار أفضل وأصدق من يتحدث عن جيرانه!!

وهذا التغيير الماكر الذي يصاغ في ذهنه المريض يتحرك باتجاهين: فما يصل إليه من حسنات وصفات جميلة بارزة في شخصية جاره يعمد إلى إخفائها، بل ويعمل على دس السم فيها من خلال تشويه النوايا وشيطنة المقاصد لجاره، ويتجه في النحو الآخر إلى هفوات وزلات وأخطاء جيرانه فيعمل على بثها ونشرها في الأوساط الاجتماعية، هذا بخلاف البهارات والزيادات التضخيمية التي تجعل من الحبة قبة.

جار السوء شخصية تتصف بالحقد والحسد ولا يتحمل رؤية جيرانه بخير وراحة، فهذا مما يعكر صفو قلبه الأسود فيتحرك نحو التخريب والبحث عن العثرات والعيوب، لعله يجد فيها ما يخفف عنه آلام الأحقاد الخفية عنده.