آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:36 م

منتدى الثلاثاء... خليّةُ نحل ثقافية


للابتداع والابتكار جناحان؛ أيمنهما الحرية الفكرية، وأيسرهما البحث العلمي، والبحث الحر هو آلة العقل في كل زمان ومكان لمواجهة الإلف والمألوف والرتابة. المسلمون محتجزون في صندوقين؛ الأول صندوق فيه مجموعة من المسلّمات حول علاقتهم بالعالم المحيط بهم وأهله، وهو صندوق مشترك بينهم، وإن اختلفت بيئاتهم وأزمانهم، ولعلي لو قلت: متفق عليه، ومجمع على ما فيه! لم أبعد في القول؛ فالمسلم الذي يعيش في إندونيسيا لا يختلف عن المسلم الذي يعيش في بلادنا العربية، فهو يُضمر تجاه الآخرين الشيء نفسه، ولعل في قول المفكر الإندونيسي أولي الأبصار عبد الله: ”إن الجدار الذي يضعه المسلمون بين «نحن» و«هم»، أو بين حزب الله وحزب الشيطان، هو مرض اجتماعي خطير سوف يدمر كل قيم الإسلام“ ما يكشف عن هذا المشترك بين المسلمين؛ وإن تباعدت بلدانهم. الثاني صندوق فيه ثلة من المفاهيم حول علاقة المسلم بأخيه الذي يُخالفه في مذهب عقدي، واتجاه فقهي.

هذان الصندوقان قديمان، وما فيهما موروث، وليس شيئا أتى به أهل هذا العصر؛ فالأمة الإسلامية تميل إلى الوراثة، وتتصف بها، وتُعدّ الوراثة صفة عامة، لا يخلو منها مجتمع مسلم، ولا ينجو منها أحد، ومعظم الخطابات النقدية تتجه إلى هذا المدخل، وتعتمد عليه في إصلاح الحال، وبعْث المسلمين من جديد، وما الوراثة سوى الوجه الآخر من الآفة التي طالما حذّرنا منه كتاب ربنا، وهي التقليد واتباع الآباء.

ونحن إذا نظرنا إلى المسلمين هذه الأيام؛ أدركنا أن حلحلة هذين الصندوقين، ونخْل ما فيهما من مفاهيم؛ يكمن في إبرازهما، والإلحاح في وصفهما، وتبيان آثارهما علينا، وعلى الأمم المجاورة لنا، فمعظم ما يعوقنا، إن لم يكن كله، عائد إلى هذين الصندوقين اللذين ورثناهما، ووقفنا على ما فيهما، ولم يكن لنا منهما موقف نقدي.

لقد أتيحت لي الفرصة للحديث في أحد المنابر الثقافية الحوارية التي تسهم في إثراء الحوار النقدي في المجتمع، وهو منتدى الثلاثاء الثقافي في القطيف، وإلقاء محاضرة حوارية تحت عنوان ”دور الحرية في التقدم الاستقرار“ عام 2014م، وكان المهم فيها أننا تحاورنا بانفتاح قل نظيره عن هذه الأزمات التي نعيشها، كمحاولة لحلحلة هذين الصندوقين العصيين.

ومن محاسن الأقدار، وكلّ ما قضى الله رضا، أن يُشارك المرء بالكتابة عن منتدى وطني، همّه الثقافة، وسَدَمُه في نشرها والتعريف بأهلها. ذلكم هو منتدى الثلاثاء الثقافي، الذي يُشرف عليه الأستاذ جعفر الشايب، ويَسندُه في إدارته ورعاية أعماله كوكبة من الشباب الواعد الصاعد، تجتمع هذه الثّلة المباركة في تقديم ما ينفع ويرفع ويزيد ويُفيد، وهي خليّة نحل، فيها من النحل دأبُه ونفعه جِدّه وجَدُّه.

تقوم هذه الخليّة بقائمة من الأعمال الجليلة، أولها إقامة اللقاءات الثقافية، وثانيها تكريم الوجوه الوطنية والتعريف بها، وثالثها مساعدة الشباب الفتيّ في نشر أعماله والتنويه عنها، ورابعها متابعة الأحداث والأيام العالمية والاحتفاء بها، كيوم حقوق الإنسان، ويوم الأم، ويوم مكافحة الاتجار بالبشر، ويوم الصداقة، وخامسها إصدار المطبوعات التي تحتضن جهودها نهاية كل عام حتى تبقى شاهدة على ما أحرزته من غايات وحققته من أهداف، ولها من الأعمال الثمينة غير هذه غير أنّ ذاكرتي لم تُسعفني إلا بما تقدم ومضى.

حسبُ المنتدى وصاحبه والقائمين عليه هذه الجهود المحمودة والأعمال البارزة، وما عليهم بعدها أن يجد الإنسان خطأ هنا وعثرة هناك، ومتى وجد الإنسانُ السالمَ من العيب والبريءَ منه؟

منتدى الثلاثاء ناجح، ووراء نجاحه ناجحون وناجحات، ويستطيع المرء متى أراد تلمّس مظاهر ذلك أن يجدها ويعثرها عليها، فالبعرة كما قيل تدل على البعير والأثر يدل على المسير. وإذا كانت معايير النجاح كثيرة، وأسبابه غفيرة؛ فإنني أحبّ أن أتناول معيارا واحدا، يدل على نجاح المنتدى، ويكشف عنه، وهو معيار الاستمرار والبقاء، حيث بقي المنتدى عشرين عاما يُشارك الوطن همومه، ويسعى معه في تثقيف أجياله وتكريم رجاله، وخير الأعمال كما نعلم أدومها وأبقاها، وليس بعد البقاء والاستمرار هذه السنوات الطوال حجةٌ أوضح وأظهر على نجاح المنتدى ومثابرة أهله؛ فلنفرح لفرحهم ونبتهج لابتهاجهم وندع الله لهم بالتوفيق ودوام العطاء.

كاتب، أستاذ مشارك في كلية اللغة العربي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية