آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:57 ص

«الحراك الشيعي».. يحرك المياه الراكدة

حسين العلق *

الشعوب المتخلفة والجبانة هي وحدها التي تخشى مراجعة تاريخها ومناقشة قضاياها في الهواء الطلق. في مثل هذه البيئات من السهل اتهام المطالب بالإصلاح السياسي بالخيانة الوطنية، أما الداعي للإصلاح الاجتماعي والثقافي والفكر الديني فهو بحكم الخارج من الملة بالضرورة!. هنا، يبدو من فضول القول أن المدنية الحديثة لم تبلغ شأنا عظيما في العلم والمعرفة والاقتصاد والصناعة إلا بعد أن رفعت سيوف التسلط عن عقول الناس وضمائرها، وأسقطت كل أصنام الخرافة الجاثمة على الصدور.

لقد أحسن الكاتبان الصديقان بدر الإبراهيم ومحمد الصادق في تقليب بعض صفحات تاريخنا السياسي الحديث من خلال كتابهما القيّم «الحراك الشيعي في السعودية». فقد قدما قراءة موضوعية لأبرز المنعطفات السياسية التي مرت بها المنطقة في العقود الأخيرة، وزاد من أهمية الكتاب أنه اعتمد على رواية الأحداث في معظمها من أفواه صانعيها ومعاصريها، وتجنبا ما وقع فيه غيرهما من سردية الانطباعات الشخصية والنقولات المرسلة.

ولعل إحدى أهم الإشارات الضمنية التي بعثها الكاتبان انهما أثبتا بأن المجتمع المحلي الشيعي في السعودية يمتلك الجرأة الكافية لمناقشة ومراجعة تجاربه في الهواء الطلق، دونما أوهام مفتعلة أو حساسيات مبالغ فيها.

وكما كان متوقعا جاءت ردود الفعل على الكتاب متفاوتة بين مؤيد ومتحفظ، ولكلا الطرفين الحق في ذلك. غير ان أسوأ ردود الفعل هو محاولة تجيير بعض المعطيات التي سردها الكتاب كمادة لمزيد من الاحتراب الداخلي في المجتمع المحلي، وأسوأ منه التحريض المذهبي والتأجيج الطائفي، تماما كما فعلت «قناة صفا» وضيفها عمر الزيد في مناقشتها للكتاب مؤخرا.

لقد عمد السيد الزيد ببساطة إلى جملة من المعلومات التي سردها الكتاب وانتزعها من سياقها. وراح يطبل عليها خصوصا لجهة التقسيمات الحزبية في القطيف وإرجاع سبب نشأتها لغايات التخريب وزعزعة الأمن!. وليس خافيا أن المعلومات متى من انتزعت من سياقها التاريخي فلن تقدم إلا قراءة مشوهة وبعيدة عن الموضوعية.

ينبغي القول هنا أن الكتاب حفل بقدر من السرد التاريخي لكنه افتقد إلى جهد تحليلي يوازيه. وغير خاف ان المعلومات التاريخية بحاجة باستمرار إلى جهد تحليلي مضن يحفر عميقا في تفسير مختلف الظواهر وأدق التفاصيل، وإلا فإن اعتماد السرد بمفرده لن يفي بغرض الدراسة، هذا إن لم يبعث برسائل خاطئة ونتائج معاكسة.

في مقابل هذا، ينبغي كذلك أن نضع بعين الاعتبار أنه لا يمكن لكتاب واحد أو كتابين ان تغطي تجارب أربعة عقود حافلة بالأحداث السياسية في المنطقة. ويبقى إن ما قدمه الكاتبان هو محاولة وجهد يشكران عليه حتى وإن رأى البعض ان الكتاب اعتراه النقص في هذا الجانب أو ذاك. ان العامل المهم هنا هو أنه وعلاوة على ما شكله الكتاب من إضافة لافتة للمكتبة السياسية في المنطقة، فمن المنتظر كذلك أن يحفز على بروز المزيد من الكتابات النوعية الأخرى التي تلقي حجرا آخر في المياه الراكدة على هذا الصعيد.

آن الأوان أن نترك خلفنا أشباح المؤامرات الوهمية التي تحرم علينا اثارة الأسئلة والبحث عن اجاباتنا الخاصة. وحري أن نلتفت جيدا إلى أن من يحرّمون علينا ثقافة السؤال هم أنفسهم من يريدون أن يحشو عقولنا بروايتهم المنفردة وربما المشوهة للقضايا والأحداث.

شكرا لبدر ابراهيم وشكرا لمحمد الصادق، فقد قدما بكتابهما « الحراك الشيعي في السعودية» تحفة سياسية تستحق التقدير.

كاتب سعودي