آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نماذج مكافحة في حياتنا اليومية

كميل آل جميع

لا يخفى على المتتبع لمسيرة العلماء كم من الكفاح والنضال والمثابرة بذل هؤلاء في سبيل إنارة دروب الحياة وإنعاشها بمختلف الإكتشافات والتجارب الميدانية والنظرية، ولعلّ بعضهم أمضى جُلّ حياته وهو يعتاش على شيء من الدريهمات التي لاترقى لجعله في بحبوحة من العيش الرغيد. لا شك أن مثل هذه الظروف العصيبة التي تعصف بالبشر من حين لآخر قد تصقل لديهم القدرة على الكفاح والصمود أمام منعجرات الحياة في سبيل نيل مطالبهم ومآربهم المشروعة، فالبعض منا يصبو ويتطلع لجمع ثروة مادية طائلة والبعض الآخر يسعى ليصبح عالماً متميزاً أو نجماً ساطعاً في عالم الفن أوالسياسة أو الطب...... الخ. لكن يبقى السؤال مطروحاً على مصراعيه «ياترى هل نستطيع بناء أحلامنا وآمالنا المستقبلية بسهولة وبدون أية عثرات مادية أو حياتية؟»

لا يختلف إثنان في حقيقة أن طريق العلم وعر ويتحاج إلى جلد وصبر ومثابرة، وبغية أن ننجح في تجاوز جملة المصاعب هذه قد ينبرى أحدهم طوعاً ويقترح بأن نقرأ ونقتفي سيرة الأعلام والفلاسفة والعظماء الماضين لنستشف بعضاً من معاناتهم التي كانت سبباً في بلوغهم أسمى المراتب والقمم في مجالات العلم والأدب، ولكن نحن في هذا المقام لسنا بحاجة إلى التغني بتاريخ الآخرين واستقصاء منجزاتهم التي خلت بقدرما نحن بحاجة إلى الإستشهاد بمناذج حية وحاضرة من واقعنا اليومي في بلاد الإغتراب، فهنا وتحديداً في أمريكا حيث يجتمع الطلاب من كافة أنحاء العالم بغية خوض غمار الحياة الجامعية أو إتمام دراساتهم العليا، ولربما يحالف الحظ كثيراً من هؤلاء الطلبة فيحظى بمنحة دراسية من قبل الجامعة تقديراً لتميزه وإحرازه لنتائج جيدة وهنالك قسم آخر من الطلبة ممن قدموا كمبتعثين على نفقة دولهم. في الحقيقة ما أود الإشارة إليه في هذا المجال هو اولئك الذين لم يحظوا بمثل هذه الفرص الثمينة لسبب أو لآخر، وعقدوا في قرارة أنفسهم إستكمال تعليمهم والإنخراط في الحياة الجامعية رغم تكاليف الدراسة الباهظة فضلاً عن مصاريفهم الشخصية، وهنا يكمن بالفعل التحدي والإصرار، إذ أنه بالرغم من مشاق الحياة وقساوة الظروف تجدهم يقاومونها بشراسة علاوة على أنهم غالباً ما يظفرون بدرجات مشرفة، وفي هذا الصدد لا بأس بنا بالتوقف عند بعض الأمثلة التي واكبتها بنفسي منذ فترة بسيطة فقبل قرابة الأسبوعين ألتقيت بإحدى الطالبات الأجانب من خارج الولايات المتحدة الأمريكية وقد حكت لي جزءاً من معاناتها ابتداءاً من طلبها للجوء إلى الاراضي الأمريكية ومروراً بالوقت الذي لاتكاد أن تتداركه لاستجداء قسطاً من الراحة والاسترخاء انتهاءاً بعملها الذي يشغل حيزاً كبيراً من حياتها اليومية لقد كانت تروي ذلك بشعور ملؤه الفخر والتفاؤل والأمل مع العلم بأنها تعمل لمدة سبع ساعات يومياً لتغظية مصاريف الدراسة التي تثقل الكاهل وما بقي من يومها تنفقه بين الدراسة والنوم والذي حسب تعبيرها لا تعلم إن كان يكفيها بعض الأحيان لشحن جسمها بالطاقة استعداداً ليوم جديد.

أنموذج آخر من نماذج الكفاح في الغربة، هو طالب عربي لم أكن أعلم أنه طالب دكتوراه بل ولم أعلم أيضاً أنه يدرس على نفقته الخاصة ويتحمل جميع مصاريف الدراسة، وقد ألتقيت به وبعد سلسلة من النقاشات فاجأني بأن معدل نومه اليومي لايزيد عن ست ساعات إن لم يكن أقل لكي يوفق بين طبيعة عمله في الجامعة ويتدارك واجباته الدسمة كطالب دكتوراة وما كان لي في نهاية الحديث إلا أن أقول له بأنك مثال للطالب المكافح.

في نهاية المطاف، هذا المقال هو عبارة عن توصيف واقعي مقتضب لقليلِ مما يدور من حولنا لنماذج من البشر تحاول بشتى الوسائل أن تصارع الحياة بروح يملئها التحدي الإصرار والعزيمة غير آبهة بجوانب الترف والبذخ والوجاهة التي يتمتع بها البعض ومكتفية بالقدر اليسير من متع الحياة التي ربما تتوفر لهم بين الفينة والأخرى أو لا تتوفر إطلاقاً، وكلي أمل أن يحذوا طلابنا السعودين في بلاد الخارج حذو هذه النماذج ومثيلاتها ويدركوا تماماً أنهم في نعمة يغبطهم عليها الآخرون ويتمنون لو أنهم حظوا بنصفها كأدنى الإحتمالات.