آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 8:53 م

المسئولية الاجتماعية

ورد عن الإمام الصادق : السرور في ثلاث خلال: في الوفاء، ورعاية الحقوق، والنهوض في النوائب» «تحف العقول ص 323».

هناك موجبات وعوامل تؤثر على الحالة النفسية والوجدانية من خلال الأحداث والمواقف التي نمر بها، وقد يتعلق حال الفرح والارتياح والسعادة بما يستجلبه المرء لنفسه من نفع وخير، إذ يرى في الحصول على شيء من المال أو الجاه أو تحقيق الأهداف والأمنيات الدراسية والوظيفية مصدرا للسرور والاعتزاز، وهذا ليس بالأمر الخاطيء أو الذي يعاب عليه، فإن حب النفس الإيجابي يرى في الظفر بما يرتقي فيه في درجات الكمال والنجاح مغنما يعمل على اكتسابه.

والإمام الصادق ينظر لمفهوم السرور من زاوية السعادة في الدارين وما يكسبه الثناء والمحمدة في الدنيا والفوز في الآخرة بنيل رضوان الله تعالى، فالإنسان الواعي يرى في الدنيا ميدان عمل وكد يندرج في مسار القرب من الله تعالى بإتيان الأعمال الصالحة وصنع المعروف، فمن انعتق من قيود شح النفس والأنانية، وانفتح على طريق البذل والعطاء نال حينئذ موجبات الفرح الحقيقي.

الموجب الأول للسرور الحقيقي هو الوفاء أي تنفيذ ما قطعه المرء على نفسه من وعد بالفعل أو تركه، وهذه الصفة في الإنسان تنم عن شخصية تولي احتراما وتقديرا للكلمة والموقف وتحمل مسئولية وتبعات ما يتخذه من قرارات وخطوات مدروسة، فليس هو بالشخص المتهور والاندفاعي الذي لا يأخذ بالحسبان ما يقدم عليه، بل يرى في الالتزام خطوة مهمة في طريق المصداقية والنجاح بعيدا عن التعجل والتردد، فمن كانت كلمته موقفا وموقفه خطوة عملية في ميدان الواقع اكتسب مكانة بين الناس ومقبولية ومحبوبية، كما أنه يجذر في نفسه التعامل مع الواقع بعين الدراسة والبحث، وليس هناك من صفة ذميمة كخلف العهد والمراوغة في المواقف واختلاق الأعذار، فذلك مما يكشف حقيقة الإنسان ووجهه الحقيقي، والإمام الصادق يدعو المؤمنين إلى هذا الارتقاء الأخلاقي والتمسك بالوفاء، من خلال العمل بآلياته بعيدا عن العاطفة أو الضعف النفسي والتهرب عن المسئوليات.

الموجب الثاني للسرور رعاية الحقوق، وذلك أن مجمل حياة الإنسان تقع تحت إطار العلاقات وتحمل مسئولية الحفاظ عليها واستقرارها وتنميتها، فعلاقته بالله تعالى تندرج تحت الحقوق العبادية التي عليها مدار علاقته بربه قوة وضعفا، وفي الإطار الأسري لا تقوم العلاقة على الأهواء والمزاجية مما ينتج عنها الاعتداء على أفراد أسرته وحرمانهم من أبسط حقوقهم، بل حقوقهم تشمل الاحترام والانبساط في الحديث والاهتمام وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة وإرشادهم للخير والصلاح، وكم من الأسر تفككت وعانت من العنف اللفظي والجسدي بسبب معيل لا يراعي شرع الله تعالى!!

وما أجمل تلك العلاقات المجتمعية إن سادها الحفاظ على الحقوق المعنوية والمادية، إذ يتحرك الضمير الواعي باحترام الآخرين وتقدير وجودهم والارتداع عن أي نحو من أنحاء الاعتداء وسلب الحقوق!!

والموجب الآخير للسرور الحقيقي هو النهوض مع المتضررين والمحتاجين في النوائب والنكبات، إذ يتحرك الشعور الإنساني نحو آلام الغير واحتياجهم بما يتمكن فيه من تخفيف وطأة العوز عنهم، فالمجتمع الواعي يستظل الفقراء ومن يقع في دائرة الأزمات والمصائب تحت مظلة التكاتف والتكافل الاجتماعي، فأنين وصرخة المكروب تلقى صدى طيبا واستجابة سريعة من الأخيار، والذين يجسدون مبدأ الرحمة والشفقة على البسيطة وكانت أياديهم البيضاء بلسما لهموم الآخرين ومتاعبهم، ولا يقتصر الأمر على الجانب المادي فقط وإن كان مهما، ولكن الجانب المعنوي لا يقل درجة في الأهمية عنه، من خلال الاستماع لمشاكل الغير ورأب صدع الخلافات وتقديم النصائح والإرشادات المساعدة في الخروج من عنق الزجاجة لأي مشكلة أو معضلة تصادف الآخرين.