آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

خبر الساعة

زكي أبو السعود *

ما تناقلته شبكات التواصل الاجتماعي اليوم حول تكفل سماحة السيد علي الناصر السليمان بتحمل تكاليف اقامة مركز طبي للكشف المبكر على الاورام في القطيف، يعد سابقة في سجل التبرعات من رجال الدين الشيعة المحليين، وفي الاستفادة من اموال الخمس «الذي يقدمها المواطنون الشيعة لمراجعهم الدينية» في اقامة مشاريع محلية لها قيمتها العالية من حيث مردوها المنفعي لكافة المجتمع.

من المعروف أن الغرض الاساسي الذي يفترض ان تصرف فيه اموال الخمس هو مساعدة المحتاجين من المسلمين، وتقديم العون لهم على مواجهة صعوبات الحياة، وكذلك رفع شأن الاسلام والمسلمين وتعزيز مكانتهم بين الامم. وحسبما ما اعرف كانت ولا زالت الاخماس تستخدم في الصرف على الحوزات الدينية التي يتخرج سنوياً من بين طلابها رجال دين لا حصر لهم، عدد منهم يعتمدون على ما يقدم لهم من مساعدات «تأتي جزء منها من الاخماس» للصرف على انفسهم وعلى اسرهم، مما يستأثر بنسب كبيرة من اموال الاخماس.

وفي السنوات الاخيرة بتنا نسمع عن صرف جزءاً من اموال الخمس كتبرعات أو هبات للجامعات والمراكز التعليمية غير الدينية. وهذا امر حظي بترحيب واستحسان شرائح اجتماعية متنوعة لما في ذلك من فوائد مجتمعية ووطنية كبيرة.

ليس لدي معلومات عن حجم هذه المساهمات ولا النسبة المئوية التي تحتلها بين الاخماس المجمعة سنوياً. ومما لا شك فيه ان تعدد المراجع الدينية وتعدد مقلديهم يُصعب من حصر اموال الخمس، وكذلك مجالات صرفه.

غياب هذه المعلومات لعموم الناس لا يقلل من صحة ما يقال عن ضخامة المبالغ التي تجمع سنويا من الاخماس، والتي تتراكم نسبة كبيرة منها كأرصدة بدون فوائد في بنوك محلية أو دولية، والامثلة على ذلك عديدة.

وطنياً واقصد بذلك سعودياً، لم يسبق أن سمعنا عن قيام رجال الدين بتخصيص جزءاً من ثرواتهم لأعمال خيرية ذات منفعة مجتمعية غير دينية، كبناء مراكز تعليمية، أو طبية أو علمية متخصصة. هذا لا يعني ان البعض منهم لا يشارك في اعمال الخير، ولكن حين مقارنة بين مساهمات رجال الاعمال في بناء مثل هذه المشاريع وبين مساهمات رجال الدين «ومن بينهم من انعم الله عليه بخيرات كبيرة»، نجد ان الكفة تميل بصورة ملحوظة لصالح رجال الاعمال. ورغم ذلك لا زالت هذه التبرعات على المستوى الوطني محدودة وتعد على الاصابع، بعكس ما يقوم به رجال الاعمال اثناء حياتهم أو ما يفعله ورثتهم بعد وفاتهم في بناء المساجد أو الجوامع، التي تمتلئ البلاد بها، وكأنهم في منافسة مع وزارة الشؤون الاسلامية التي لم تتوانى في بناء مئات المساجد والجوامع سنويا، وفي الصرف على صيانتها ونظافتها مئات الملايين من الريالات.

وهذا ما يجعل استقبال الناس لإقامة مسجد أو جامع جديد مهما بلغت مساحته وشكله الهندسي يمر دون اثارة كبيرة ودون أن يلفت انتابه سكان من هم خارج النطاق الجغرافي الذي بني فيه، أو لا يحظى بتغطية اعلامية وطنية كحدث متميز، قدر ما يحدث حينما يقوم احد رجال الاعمال بالتبرع لإقامة مركز طبي متخصص في احد المستشفيات الحكومية، أو تخصيص قطعة ارض لإقامة مجمع تعليمي او غير ذلك. فمثل هذه الاعمال الخيرية تبقى فائدتها مستمرة جيل بعد جيل وينتفع بها الوطن بصورة عامة. وهو ما يجعل من خبر اليوم بشأن رعاية سمو امير المنطقة الشرقية للتوقيع على شراكة مجتمعية بين التجمع الصحي الاول في المنطقة الشرقية وبين سماحة السبد علي الناصر لتمويل بناء مختبر ومركز مبكر للكشف المبكر والفحص الشامل للأورام في القطيف هو خبر الساعة، الذي اراه يستحق كامل الاشادة. ذلك ان هذا الفعل من الممكن، «اذا ما تم التخلي عن نمط التفكير والممارسات القديمة» ان يؤسس توجهاً بين رجال الدين في المنطقة لتبني مزيداً من المشاريع المشابهة، بحيث لا تقتصر فقط على المراكز الطبية التقليدية وانما تتخطاها لتأسيس مراكز ابحاث ومختبرات متقدمة في مختلف المجالات العلمية، تجد فيها الكوادر العلمية المحلية ضالتهم لتطوير قدراتهم وزيادة مهاراتهم وتوظيف امكانياتهم في خدمة الشعب والوطن. إن الحاجة لإقامة مراكز بحث علمية مسألة يجب ان تكون محسومة ولا خلاف عليها، فما نصرفه من اموال على البحث العلمي لا يتساوى مع ما نصرفه على مشاريع عمرانية محدودة الفائدة وقصيرة المفعول. وقد جاءت جائحة الكورونا لتظهر تسابق بعض البلدان على التوصل لمصل يقي متلقيه من خطر الاصابة بهذا الوباء الخطير واللعين، بينما نحن في انتظار توصل هذه البلدان الى المصل المؤكد كي يتكرموا علينا ويبيعونه لنا، وفي نفس الوقت ليس لدينا اي مشاركة علمية قيمة يمكن الاعتماد عليها في مساعي الاخرين للوصول الى الترياق المناسب. فكم نحن في حاجة لبناء عشرات مراكز البحث العلمي والمختبرات المتقدمة التي تعمل وتبحث عن اجدى وانجع الطرق لحمايتنا وسلامتنا من هذه الاوبئة التي متوقع زيادتها في الاعوام القادمة.؟

من الجميل ان هذه الاتفاقية تمت تحت رعاية امير المنطقة، فذاك سيقلل من تأثير العوائق البيروقراطية الحكومية، التي في احيان كثيرة لا تميز بين المشروع الخيري والمشروع الخاص، مما يتسبب في احباط اصحاب المشروع الخيري وتخليهم عن مخططاتهم الخيرية. كما ان رعاية الدولة لهذا المشروع سيضعها في موقع الأب المقتدر الذي لا يتخلى عن أبناءه حينما يتعثرون في الطريق.

ولنأمل ان يتم الانتهاء من المشروع في المدة المحددة له، ورأيته يعمل ويقدم خدماته لسكان المنطقة دون تأخير. فالحاجة له ملحة جداً، ذلك ان نسبة المصابين بالسرطان في المنطقة الشرقية في ازدياد عام بعد عام. وعمليا لا يوجد الا مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام ككيان طبي حكومي يقدم رعايته لآلاف المصابين بالسرطان، مما يشكل ضغوطات عديدة على المستشفى، ويطيل في معاناة المرضى. وهذا ما يمنح لهذا المركز القادم أهمية كبيرة في مواجهة هذا المرض الفتاك.

كمواطن لا يسعني الا أن اشيد بصاحب الفكرة، وعلى من قام بتحويلها من فكرة الى مخطط يجري العمل على تنفيذه وتحويله لواقع ملموس، متمنياً ان يتم الانتهاء من بناءه في القريب ودون تعطيل، وان نشهد تحولًا ملموسا لدى رجال الدين ولدى رجال الاعمال في تبنيهم لمشاريع علمية وصحية جديدة تخدم المسلمين والبشرية جمعاء.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…