آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

لماذا الكتابة عن التجارب الجامعية؟

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

يتساءل البعض: لمَ الكتابة عن المرحلة الجامعية، قبل أكثر من عشرين عاماً، فيما نحن اليوم نعيش متغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسلوكية عدة في السعودية؟

التأريخ لما سبق من تجارب أمرٌ في غاية الأهمية، هو لا يحفظ فقط ذاكرة المكان، ويجعل الباحثين يدركون سيرورة المجتمعات، ويرصدون آلية التغيير، طرائقه، زمنه، مظاهره، وممانعته أو الانغماس فيه؛ بل أكثر من ذلك.. هي - أي الكتابة - ضربٌ من المكاشفة، الاستشفاء، مواجهة جذور المشكلات بعلمية وصراحة وشجاعة، ودون خوف من أن تلسع أشعة الشمس الحارقة الجروح الغائرة في جسد وعقل المجتمع.

أي عملية إصلاح وتطوير، لا تحتاج فقط إلى خطط مستقبلية، تضع أهدافاً لما سوف يبنى، بل من صلب عملها علاج المشكلات القائمة، وتنظيف الحقل مما به من سموم، وخلق حراك فكري - سجالي، ذي طابع إيجابي، لا يقود إلى التحزب والتناحر والتخندق، بل يجعل ”ذاكرة المجتمع“ مختبراً لمثاقفة جادة، تقود لنتائج وتوصيات يمكن تطبيقها.

قد يقول قائل: إن هذه المقاربة لا تقتصر على الحقل الجامعي وحسب، بل على مختلف نواحي الحياة.

التركيز على الجامعة مردهُ كونها تأتي في مرحلة عمرية وتعليمية مهمة، وتكون فيها الفتيات أو الشباب في ذروة الحماسة، الطاقة، الرغبة في الفعل وإثبات الذات، النزوع إلى الاستقلال، وسطوة أفكار مثالية لم تختبرها الحياة بعد؛ ولذا، فتدوين تلك السيرة، سيفيد الجيل الجديد في السعودية، وهو جيل واسع، يمثل العمود الفقري لعملية الإصلاح والتغيير، ومن تعول عليه قيادة المملكة في أن يكون له دور حقيقي في التنمية وبناء دولة المؤسسات والقانون.

الشباب الجامعي ستكون منه ”النخبة الجديدة“ الصاعدة، وأيضاً من سيتسنم المناصب في قطاع الأعمال والدبلوماسية وإدارة الوزارات الحكومية، ومن يشارك في التحول الاقتصادي، وهو أيضاً من سيواجه التحديات المتعلقة ب: المناخ، البيئة، مصادر الطاقة البديلة، الصحة، الإرهاب، السياسة، البطالة.. بعبارة مختصرة: هو رافعة أي تغيير قادم، والخط الأمامي لمواجهة أي أخطار ومصاعب.

الشباب الجامعي، لأجل ذلك يحتاج لبيئة صحية، حرة، لا تمارس عليه فيها أي إكراهات أو توجيهات مؤدلجة، بل توفر له فرص اختيار التخصصات التي تناسبه، ويتمكن من دراستها واكتساب خبرات، ضمن أقصى معايير الجودة العالمية.

هذه البيئة إذا عززت بقيم مثل: التعددية، احترام الآخر، تجاور الثقافات، الحرية الفكرية، سيادة القانون؛ سيعني ذلك أننا قمنا شيئاً فشيئاً بخلق سياقات جديدة، على قطيعة معرفية مع إرث ”التشدد“، وبالتالي تم التخفف من الأثقال التي جعلت بعض الطلاب الجامعيين السابقين يذهبون نحو العنف أو الأصولية أو ترك مقاعد الدراسة والتوجه إلى ساحات القتال.

هذه العملية ليست سهلة، هي غاية في التعقيد، وتحتاج إلى بصيرة وصبر وخطة تشارك في الإشراف عليها عدة جهات، والأهم أن تشارك فيها الأسرة، لأنها الحاضنة الأولى لتكوين الفرد.