آخر تحديث: 20 / 1 / 2021م - 5:07 م

أناس ترفض أن تبيعَ الماء - ما العمل؟

ماءٌ يملكه كل الناس وهو أغلى ماء، فلا يباع إلا إذا ضاقت على صاحبِه الأرضُ بما وسعت. الصنف الأول من الباعة: لا تبحث عنه، فهو سوف يجدك ويلح عليكَ في السؤال، فكم من مرة نسمع عن شخصٍ عاش شحاذاً مستعطٍ فقيراً في مكانٍ ما من العالم، لكنه ترك بعده ثروةً كبيرة بعد موته لا يملكها الأغنياء؟ فحتى صفة الحاجة لها منتحلونَ فيضيع صاحب الحاجة المحق بين غيره من غير المحتاجين، والأقل حاجة.

والصنف الآخر: لا يبيعونه مطلقاً، يجوعون ويعطَشون، ولا يظهرون بمظهر الفقير المحتاج، أو البائس الذي يبيع ماءَ وجهه في أول فرصة. يأتي الشتاءُ ولا يجدون الدفء، ويمر الصيف ولا يجدون الهواء البارد، لا مشكلة، فالصبر أولى عندهم من ذلِّ السؤال. هم أناس يحاولون الظهور بمظهر الغنيّ القادر، حفاظاً على كرامتهم وماء وجوههم في انتظارِ كرمِ الله الذي يريحهم من مشاكلهم، يتمردون على ألم الجوع والعطش والحاجة وتبدو الدورُ البسيطة المتهالكة في نظرهم أفخم من السكن المترف، في انتظار أن يجعلَ اللهُ لهم فرجاً ومخرجاً مما هم فيه. نحسبهم، أنا وأنتَ، أغنياء لكن بتفحص سيماهم بدقة تظهر المعاناةُ والحاجة الملحة فيها. مع كل هذا يبقى العنفوان النفسي مَلاَك أمرهم، فلا يكررون المسألةَ والشكوى للناس، ولا يباع ذلك الماء عندهم بأي ثمن!

كل هذا الوصف يوحي بأن الناسَ هم من يجب عليهم البحث والتعرف على هذا الصنف من المحتاجين، وعلى القادرين اكتشافهم وإعانتهم على حفظ أغلى متاعٍ عندهم. هذا الصنف من الناس إذا احتاج فعلى الناس أن يُغلفوا أعطياتهم ويُغطوها بأجملِ الأغطية كما فعل الإمام الحسن بن علي حين وفد عليه بعضُ الأعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة فوجد فيها عشرونَ ألف دينار فدفعها إلى الأعرابي فقال الأعرابي: يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي؟! فأنشأَ الحسن :

نحنُ أناسٌ نوالنا خضلُ ** يرتع فيه الرجاءُ والأملُ

تجودُ قبل السؤالِ أنفسنا ** خوفاً على ماءِ وجهِ من يسلُ

لو علمَ البحرُ فضلَ نائلنَا ** لغاضَ من بعد فيضهِ خجلُ

وأجمل وصفٍ لهذا الصنف الجميل، المحتكر لماء الوجه، هو وصف ربهم لهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسألونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ، علاماتهم في الفقرِ والمسكنة لا سبيل لهم إلى سترها، تبدو في طبيعةِ لباسهم وأجسامهم ومساكنهم، لكنهم لا يلحون في السؤال حفظا لذاك الماء، فطوبى لهم ولمن عرفهم فأعطاهم.

مستشار أعلى هندسة بترول