آخر تحديث: 20 / 1 / 2021م - 5:07 م

وداعا أسطورة كرة القدم «3»

عبد العظيم شلي

مفعم بأجواء الرياض والدراسة مسرة، وأجمل ذكرى، مبنى معهدنا يبعد عن سكننا مسافة 40 دقيقة، يتهادى بنا الباص الأصفر جيئة وذهابا كمهز طفل، والأكتاف تتمايل على الأكتاف التصاقا، بعضنا يغالبه النوم من طول سهر أو من جراء تعب المواد العملية، لكن المتعصبون للأندية لا يهدؤون من الجدل، ثرثرتهم تبدد نعاس المتعبين.

قال زميلي الدحيم بلهجته النجدية: ”عسى محطة غصب واحد بتنقل لنا جميع المباريات“ قصده التلفزيون السعودي والتسمية متداولة شعبيا عند أهل الرياض ويطلقون أيضا على القناة الثانية الناطقة باللغة الإنجليزية غصب 2، فهما القناتان المتوفرتان على جهاز التلفاز، وكل محطات دول الخليج لا يصل بثها لمنطقة الرياض، فسكان العاصمة كأنهما مغصوبين على مشاهدة القناتين الوحيدتين، حيث لا يوجد بديل آخر أمامهما ومن هنا جاءت تلك التسمية المتهكمة.

بينما نقترب من الوصول إلى سكننا الجديد الكائن بمنطقة السليمانية المحاذي لمطار الرياض القديم، أخبرنا الزملاء عبد الله الفجري وتوفيق الحميدي وهما من الأحساء، بأن التلفزيون سينقل اليوم مباراة الافتتاح وباقي جميع المباريات على الهواء عند الساعة السادسة والنصف مساء حسب أخبار صحيفة الجزيرة.

طلاب الشرقية يخبرون زملائهم من أهل المناطق الأخرى بأن النقل الخارجي ليس مباشرا بدقة، فالصورة تصل للمشاهدين متأخرة بين 5 أو 7 دقائق، وسبب هذا التأخير ليس تقنيا ولكن احترازا من ورود لقطة مثيرة، فغرفة الكنترول في التلفزيون السعودي تقوم بحذف أي لقطة غير لائقة وان كانت تمر سريعا من قبل مخرج المباراة صوب المشجعات ”الكاسيات العاريات“، وخصوصا مدرجات ملاعب أمريكا اللاتينية حيث يطيب الغانج للحسناوات بدلع واستعراض!

فالتلفزيون السعودي لديه تعليمات صارمة بعدم بث أي لقطة فيها خدش للحياء في كل ما يعرض، لكن سينما أندية الرياض الأربعة ”النصر والهلال والشباب والرياض“ كنا نرى فيها العجب العجاب مساء كل ليلة، سينما مفتوحة في الهواء الطلق تعتبر مصدر دخل لأندية العاصمة، فالتذكرة تتفاوت من 5 ريال إلى عشرة حسب اسم الفيلم ونوعية الإثارة الرخيصة التي تتخلله، أفلام متنوعة بعضها كان يدغدغ الغرائز الحيوانية!.

بعد أن تناولنا وجبة الغذاء في سكننا الداخلي يذهب بعضنا لصالة الترفيه لشرب الشاي والدردشة ونثر الصحف اليومية، وحينما تبدأ برامج التلفزيون يتجه البعض شطره، إقبال حتى على أفلام الكرتون، ومحطة ”غصب واحد“ هي الجامعة لأغلب طلاب السكن ويزداد حضور الطلبة أثناء بث مباريات كرة القدم.

مر الوقت بثرثرات كروية، ونحن ننتظر بشوق بداية مباراة الافتتاح هذا المساء، لحظات وأطل المذيع بوجهه المتجهم مع ابتسامة متصنعة:

”أعزائي المشاهدين.. أسعد الله مساؤكم بكل خير، سننتقل الآن مباشرة إلى“ مونتيفيديو ”عاصمة الأوروغواي لنقل وقائع حفل بطولة“ كأس العالم المصغرة ”ومباراة الافتتاح بين منتخبي الأورغواي وهولندا، نتمنى لكم أوقاتا طيبة“.

مباراة حماسية بين مدرستين مختلفتين، يتوقف بث المبارة لبرهة من الزمن من أجل رفع أذان صلاتي المغرب والعشاء وتلاوة الدعاء المعتاد، أسفرت نتيجة المباراة 2 صفر للأوروغواي.

زميلنا أبو طيبان قص من الجريدة جدول المباريات، وألصقه بجوار جهاز التلفزيون وهو على النحو التالي:

المجموعة A

أوروغواي، هولندا، إيطاليا

المجموعة B

البرازيل، الأرجنتين، ألمانيا

بطولة مصغرة

نظمت بمناسبة مرور خمسين عاما على إقامة أول كأس عالمي سنة 1930 والذي احتضنتها الأوروغواي وهي الفائزة بأول كأس عالمية وأيضا فازت بهذه الاحتفالية الخمسينية والمقامة على أرضها بعد تغلبها في المباراة النهائية على البرازيل 2-1.

وكأن التأريخ يعيد نفسه وبذات النتيجة، تجدد حزن البرازيليين مع الذكرى الأليمة لسنة 1950 لكن على ملعبهم ”أستاد المريكانا“ الشهير وقد انتزعت منهم الأوروغواي الكأس وسط دموع 100 ألف متفرج.

إن فكرة بطولة كأس العالم المصغرة هي جمع شمل الفائزين بكأس العالم، والغريب في هذه البطولة كل الفائزين لبوا نداء الحضور إلا دولة واحدة رفضت المشاركة وهي إنكلترا، واستعيض عنها بهولندا باعتبارها الوصيف لآخر بطولتين 74 و78، وسبب الرفض الإنجليزي هو تحججهم بأن لاعبي منتخبهم مرتبطين بالدوري، لكن البطولة جرت بين الأيام الأخيرة من سنة 1980 وبداية 1981 وهي فترة تكون عادة الدوريات شبه متوقفة لاحتفالات رأس السنة الجديدة! وتم اختيار توقيت هذه البطولة ليناسب الجميع، لكن الأمر أبعد من ذلك التحجج الواهي، هو تضامن إنجليزي أمريكي ضد النظام الحاكم في الأوروغواي الذي وصفوه بالدكتاتوري، وصف كيدي لكنه لم يكن ذي بال لو لم يهاجمهما بنقد قاس وهو البعيد عن توجه سياساتهم.

هذه البطولة اليتيمة شهدت أول مشاركة رسمية للفتى الذهبي مارادونا مع المنتخب الأرجنتيني الأول، وهدفه في مرمى البرازيل لا ينسى والتي انتهت المباراة بينهما بالتعادل 1-1 وصعدت البرازيل للمباراة النهائية بفارق هدفين على حساب الغريم التقليدي الأرجنتين، ولكن أصحاب الأرض الأوروغواي قالوا كلمتهم في المباراة النهائية ضد السليساو، رفعوا الكأس الذهبية لأبطال العالم، والتي عرفت بكأس العالم المصغرة ”الموندياليتو“.

ما أحلى تلك الأماسي وأعيننا تبتهج فرحا على إيقاعات ماردونا الساحرة وهو ابن العشرين ربيعا، حينها هب الربيع علينا قبل موعده وهو يراقص الكرة بفنياته، ربيع أتانا أثناء مشاهدتنا لمباراتي الأرجنتين ضد ألمانيا 2-1 بعد مباراة دراماتيكية فخلال الخمس الدقائق الأخيرة من عمر المباراة قلبت الأرجنتين تأخرها إلى فوز مستحق ومع البرازيل بنتيجة 1-1.

ثمة مشهد رسخ في الذاكرة مع مدرسنا لمادة الخط العربي، كان يشاهد المباراة معنا واسمه ”حسنين“ كلما داعب مارادونا الكرة يفز من كرسيه ويقف متحمسا لروعة مهاراته: ”ايه ده... اللا اللا. ايه ده اللي بيعملو الواد... ده مگنون، حاگه مش معگولة، ده مفيش زيه.. عينيا ماشفتش واحد بيلعب زيه“!،

تألق ومهارات أعجزت الخصوم وكانوا له بالمرصاد، ركض لا يتوقف ورجل من ذهب، ما أصعب أن تخدش الذهب فكيف والحال حين تكسره عمدا هذا ما فعله جزار بلباو في الدور الأسباني ضد الأسطورة ماردونا وتلك حكاية مرتقبة.

هل نسيت بطولة العالم المصغرة التي أقيمت في الأوروغواي، بتاريخ من 30 ديسمبر 1980 إلى 10 يناير 1981، هل تلاشت أحداثها من الذاكرة؟ أظن جيل اليوم لم يسمع بهذه البطولة، وربما الذين عايشوها قد تكون غابت عن بالهم.

لفت انتباهي خلو الفيديوهات الممنتجة لمارادونا عن أي لقطة تشير حضوره في هذه البطولة، يوجد فقط على قناة اليوتيوب مجموعة أهداف كأس العالم المصغرة مع لقطات قصيرة ذات ألوان كالحة. وقد رصدت بعد رحيل الأسطورة أغلب ما قيل عنه، لكني لم أجد إشارة من محلل إلى بدايات انطلاقة الفتى الذهبي سواء في بطولة العالم المصغرة ولاحتا حضوره رسميا في بطولة كوبا أمريكا 1979 حيث كان يرتدي في البدء رقم 6، شيء لم تعتاد رؤيته الجماهير سوى ارتدائه لقميص رقم 10، حينها كمبيس هو صاحب الرقم المميز في عصر منتخب الأرجنتين الذهبي، كيف تم انزياح الرقم وهل انزاحت تلك البدايات من ذاكرة الرياضيين أم الذكريات طواها الزمن؟

تتوارى أسماء وتغيب أخرى وتبهت صور لاعبين وربما تنسى، لكن مكانة الأسطورة محفورة عبر الزمن، خفاقة كشمس علم الأرجنتين الذهبية.