آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاسلام السياسي السعودي السني «6»

محمد الشيوخ *

على وقع ازمة الخليج الثانية1990م، تعالت الاصوات من مختلف الاتجاهات في المملكة، مطالبة السلطة السياسية في المملكة، عبر مجموعة من العرائض بالقيام بحزمة من الاصلاحات في شتى المجالات الدينية والاعلامية والاجتماعية والاقتصادية والاقتصادية، كضرورة المشاركة السياسية ومراجعة مناهج التعليم الديني وغربلته واصلاح النظام القضائي وتعزيز الحريات العامة وتقليص سلطات الاسرة المالكة وغيرها من المطالب الاصلاحية.

وقد كان لافتا بعد تلك الفترة الزمنية وماتلاها، بروز عدة تشكلات سياسية وحقوقية، معبرة عن مختلف الاتجاهات الشعبية في المملكة، مما ساهم في تنامي حركة المطالبة بالاصلاحات السياسية في المملكة. وكانت بعضا من تلك التشكلات تدعوا صراحة لممارسة العمل السياسي العلني المناهض للسلطة وبنبرة مرتبفعة ايضا، لفرضه كأمر واقع في المجتمع السعودي.

من بين أهم التوجهات الممثلة للاسلام السياسي السني، التي برزت بشكل علني في تلك المرحلة ودعت لممارسة العمل السياسي تحت عناوين و«يافطات» مختلفة ما يلي:

1 - لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية

تأسست في أبريل 1993م، بعد ان اجتمع سرًا عدد صغير من مثقفي الصحوة بقيادة سعد الفقيه ومحسن العواجي ومحمد الحضيف والتحق بهم لاحقا عبد العزيز القاسم وعبد العزيز الوهيبي ومحمد المسعري واتفقوا على تأسيس لجنة للدفاع عن حقوق الإنسان لكنهم أرادوا أن يكون أعضاؤها المؤسسون الرسميون من المشهورين فكان الاختيار على ستة من المشائخ والمهنيين المشهورين هم عبد الله المسعري وعبد الله بن جبرين وعبد الله التويجري وعبد الله الحامد وسليمان الرشودي وحمد الصليفيح.

وفي 3 مايو 1993م صدر بيان بتوقيع الستة المشهورين معلنا تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ونص البيان أن غاية اللجنة "رفع الظلم والدفاع عن حقوق الإنسان التي تقررها الشريعة. وطلبت من الناس التعاون بالإبلاغ عن المظالم وتولى محمد المسعري منصب الناطق الرسمي باسم اللجنة. ولكهنا حُظِرت فور تأسيسها.

عقِب تأسيس اللجنة استنكر المفتي العام للمملكة عبد العزيز بن باز الذي نصح بعدم قراءة منشورتها. بينما علق محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء على تأسيسها «أنه غير شرعي وأنه افتيات على ولي الأمر، وأنه يؤدي إلى الفوضى». وفي 15 مايو اعتقل المتحدث الرسمي باسم اللجنة محمد المسعري «أطلق سراحه في شهر نوفمبر من نفس السنة» واعتقل عبد الله الحامد في 15 يونيو وسعد الفقيه ومحسن العواجي و12 أكاديميا آخرًا من الداعمين للجنة.

وبعد خروج المسعري وسعد الفقيه من السجن قررت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية عام 1994 فتح مكتب لها في لندن واختارت أن يمثلها كل من سعد الفقيه ومحمد المسعري. وفي عام 1994 خرج الفقيه مع أسرته إلى لندن بينما وصل المسعري إليها بعد أن تسلل إلى اليمن وبدأ نشاط اللجنة مجددا في أبريل 1994 بإرسال منشوراتها إلى داخل المملكة بالفاكس[1] . وكان اعتقال اعضاء اللجنة، وانتقال الناشطين البارزين فيها وهما الدكتور المسعري والدكتور الفقيه للعيش في المنفى، في بريطانيا، بداية مرحلة عمل سياسي بالغة الجدة، سوف تشهد فصول معارضة سياسية من خارج الحدود لأول مرة في تاريخ التيار الديني السلفي[2] .

2 - حزب التجديد الإسلامي

في 1 مارس 2004 أعلن الدكتور محمد المسعري تأسيس حزبا سياسيا «حزب التجديد الإسلامي»، الذي يهدف إلى إسقاط الحكم الملكي السعودي وإقامة دولة خلافة إسلامية. وجاء في بيانه التأسيسي أن هدفه: العمل الدائب لتحويل كل بلد من بلاد المسلمين إلى دار إسلام، وتطهيرها من رجس الكفر وبذل الجهود الجادة المستديمة لضمها في كيان واحد: كيان دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة[3] .

3 - الحركة الإسلامية للإصلاح

في عام 1996 نشب خلاف حاد بين المسعري والفقيه حول استراتيجية عمل اللجنة، فبينما حاول الفقيه تركيز النشاط على مواجهة النظام السعودي أراد المسعري أن يكون للجنة نشاط ذو طابع عالمي وحاول أن يقيم علاقات بينها وبين حزب التحرير. انتهى الأمر إلى إقالة الفقيه. وكان الانشقاق الحاصل في لجنة الحقوق الشرعية، بحسب الباحث فؤاد إبراهيم، قد أحدث صدعا خطيرا لم يقتصر على اللجنة بل تعداها إلى مصادر تمويلها ودعمها في الداخل.

في مارس 1996م، أسس الدكتور سعد الفقيه الحركة الإسلامية للإصلاح في لندن. وهي حركة سياسية إسلامية تهدف، بحسب اجندتها المعلنة، إلى إسقاط الحكم السعودي وإنشاء نظام إسلامي يعتمد على الشورى. علما بأن الحركة تستمد زخمها السياسي من الاتصال المباشر مع الجمهور النجدي[4] .

في ديسمبر 2002م أطلقت الحركة الإسلامية للإصلاح إذاعة صوتية أسمتها «صوت الإصلاح». وكانت أولى المظاهرات التي دعت الحركة لتنظيمها مظاهرة 14 أكتوبر 2003 التي شارك فيها المئات أمام برج المملكة في الرياض بالتزامن مع عقد مؤتمر «حقوق الإنسان في السلم والحرب». عقِب المظاهرة قامت الحكومة السعودية بالتشويش على بث إذاعة الحركة. واعتقل على إثرها أكثر من350 شخصا، صدرت عليهم أحكام متفاوتة شملت جَلد بعضهم. وبحسب منظمة العفو الدولية، كان من المعتقلين ثلاث نساء على الأقل أفرج عنهن بعد 55 يوما من الاعتقال بعد التعهد بعدم التكرار.

في يوم 16 ديسمبر 2004 دعت الحركة لمظاهرات في عدة مدن سعودية وتوقع سعد الفقيه مشاركة عشرات الآلاف رغم حظر التظاهر. وفي اليوم المخطط للتظاهر انتشرت قوات الشرطة المسلحة وأقيمت نقاط تفتيش عديدة في الرياض واعتُقل ثمانية أشخاص بشبهة التظاهر، بينما تظاهر حوالي100 شخص في مدينة جدة، واعتقلت قوات الأمن 21 منهم وفيهم امرأة. وصدرت أحكام على15 منهم تترواح بين100 و250 جلدة وشهرين إلى ست أشهر سجن[5] .

4 - جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية

تاسست جمعية الحقوق المدنية والسياسية «حسم» في12 أكتوبر 2009م. وأشترك في تأسيسها 11سعوديا ناشطا أبرزهم الدكتور محمد فهد القحطاني وعبد الله الحامد وعبد الكريم يوسف الخضر ومحمد البجادي وأعضاء غير موقعين بسبب اعتقالهم وقت تأسيس الجمعية، وكان ابرزهم رئيس الجمعية سليمان الرشودي، الذي اعتقل ثانية في 12 ديسمبر 2012 بعد أن ألقى كلمة بعنوان «حكم المظاهرات والاعتصامات في الشريعة الإسلامية»، حيث كان مؤيدا لها.

تهدف الجمعية إلى التوعية بحقوق الإنسان مركزة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. وتقول الجمعية انها «وثقت مئات الانتهاكات خلال السنتين والنصف الماضية، من خلال التواصل مع الضحايا، ومساعدة ذويهم في رفع دعاوى قضائية ضد جهاز المباحث العامة امام ديوان المظالم لكن تدخل وزارة الداخلية ادى الى تعطيل دور الديوان، ما اضطرها الى اللجوء لاليات الأمم المتحدة».

بعد سيول جدة نشرت الجمعية بيانا في10 ديسمبر 2009 لامت فيه ما أسمته «الفساد السياسي» ودعت في خطاب مفتوح إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى تشكيل برلمان منتخب بصلاحيات لمساءلة المسؤولين. وتولت الجمعية في ديسمبر 2009 تمثيل سليمان الرشودي في الدعوى القضائية التي رفعها ضد وزارة الداخلية التي احتجزته لثلاث سنوات ونصف دون اتهام. لكن الدعوى رُفضت بعد أن وجهت الوزارة له الاتهامات.

وفي 23ديسمبر2010م قدمت الجمعية طلبا لوزارة الداخلية بالسماح بالاعتصام في الرياض إلا أن مقدمي الطلب استدعوا قبل الموعد المحدد بيوم وأبلغوا برفضه. وفي يناير 2011 أرسلت الجمعية رسالة إلى الملك عبد الله طالبت فيها بمحاكمة وزير الداخلية آن ذاك نايف بن عبد العزيز واتهمت سياسات الداخلية بأنها تشجع التطرف والعنف.

انتقدت الجمعية مسودة قانون مكافحة الإرهاب التي سربتها منظمة العفو الدولية في يوليو 2011 وقالت أنه «يعطي صلاحيات غير مسبوقة للأمن لقمع الشعب دون أي ضوابط قانونية». وفي 21 مارس 2011 اعتقلت قوات الأمن السعودية محمد البجادي وهو أحد الأعضاء المؤسسين للجمعية إثر مشاركته في مظاهرة أمام وزارة الداخلية في اليوم السابق. وفي 10 أبريل 2012 قضت محكمة سرية بسجنه أربع سنوات إثر إدانته بتهم عدة كان من بينها المشاركة في تأسيس جمعية غير مرخصة[6] .

حل الجمعية واعتقال رموزها

في يوليو2012 بدأت محاكمة محمد القحطاني، وهو استاذ جامعي يدرس مادة الاقتصاد، وعبد الله الحامد ووجهت لكل منهما تهمة الاشتراك في تأسيس جمعية غير مرخصة مع عدد من التهم الأخرى. وفي 9/3/2013م اصدرت محكمة سعودية في الرياض السبت قرارا بحل جمعية الحقوق المدنية والسياسية «حسم» وتاييد سجن احد مؤسسيها «الحامد» ست سنوات والحكم عليه بخمس سنوات اضافية في حين نال زميله «القحطاني» عشر سنوات، وذلك بتهمة مخالفة قانون المعلومات.

وافاد مراسل وكالة فرانس ان «قاضي المحكمة الجزئية قرر حل جمعية حسم ومصادرة اموالها واغلاق نشاطاتها لعدم الحصول على ترخيص وحكم بتاكيد عقوبة عبد الله الحامد السابقة السجن ست سنوات وتعزيره خمس سنوات اضافية». وتابع ان المحكمة «قضت كذلك بسجن محمد فهد القحطاني عشر سنوات بناء على المادة السادسة في نظام الجرائم المعلوماتية ومنعهم من السفر بعد انتهاء محكوميتهم، بمدة مساوية لسنوات سجنهم». وامرت المحكمة بايقاف الرجلين اللذين بادرا الى تبادل التهنئة اثر الاحكام مؤكدين انهما يخوضان معركة «الجهاد السلمي».

وقد بدات المحاكمة في يونيو الماضي مع توجيه اتهامات عدة ابرزها وصف نظام الحكم ب «التبرقع بالدين والفتك المنهجي» والقضاء بانه «جائر وظالم» والمساس بالنظام العام. وكان القحطاني اكد ان الجلسة الاولى من محاكمته تضمنت تهما عدة بينها «غرس بذور الفتنة» و«الخروج على ولي الامر» واتهام القضاء ب «اجازة التعذيب والطعن بديانة اعضاء هيئة كبار العلماء». كما تضمنت لائحة الاتهام طلب ادانته و«الحكم عليه بعقوبة تعزيرية بليغة بما يكفل ردعه وزجر غيره، وبمنعه من السفر». وقد اكد القحطاني «47 عاما» في حينها ان الدعوى تاتي «ضمن حملة القمع التي تقودها وزارة الداخلية لارهاب نشطاء حقوق الانسان، واسكات الاصوات المطالبة بالاصلاح السياسي».

يشار الى ان جمعية حسم غالبا ما تتهم السلطات ب «ممارسة التعذيب وباعتقال30 الف شخص لاسباب سياسية»[7] . وعرف الحامد والقحطاني مطالبتهما بإقامة دولة مدنية في السعودية من خلال كتابة دستور وإنتخاب برلمان يفضي لتشكيل حكومة. ويرى العديد من الاصلاحيين في المملكة أن جمعية حسم مثلت نموذجا رائعا للحراك المدني والمطالبة بالإصلاح السياسي في المملكة.

5 - حزب الأمة الإسلامي

وفي خطوة تعكس تأثير الاحتجاجات العربية2011م، أكد الناشط السياسي السعودي الشيخ محمد بن حسين الغانم القحطاني «رجل اعمال» تشكيل حزب سياسي، بمعية بعض الناشطين الإسلاميين المثقفين ورجال اعمال واكاديمين سعوديين.

وتجلت مطالب هذا الحزب في الدعوة الى انهاء نظام الملكية المطلقة في السعودية، وقد جاء في بيان الحزب أنه سيشارك في الدفع في عملية الإصلاح السياسي الذي يتطلع إليه عامة الشعب السعودية وبكل فئاته، ليؤكد على أن الإصلاح السياسي يبدأ بالتخفيف من حالة الاحتقان، وتحقيق المصالحة بين الحكومة والتيارات السياسية في الداخل والخارج، وإعلان العفو العام، وإطلاق كافة سجناء الرأي ودعاة الإصلاح والمعارضين السياسيين. وتم تدشين موقع خاص بالحزب لكن سرعان ما تم حجبه [8] .

[1]  وكيبيديا، الموسوعة الحرة.
[2]  إبراهيم، فؤاد: السلفية الجهادية في السعودية، دار الساقي، 2009م.
[3]  وكيبيديا، الموسوعة الحرة.
[4]  إبراهيم، فؤاد: السلفية الجهادية في السعودية، دار الساقي، 2009م.
[5]  وكيبيديا، الموسوعة الحرة.
[6]  المصدر نفسه.
[7]  شبكة راصد الاخبارية.
[8]  ويكبيديا، الموسوعة الحرة.
باحث في علم الاجتماع السياسي