آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:57 ص

شنسويلك بعد اكثر من هيچ!

حسين العلق *

تماما كما الأفراد، الشعوب أيضا معرضة لتضييع الفرص. وإذا جاز لنا أن نقول ان استثمار الفرص يعتمد بالتأكيد على درجة النباهة والحس المتيقظ، فلنا أن نقول أيضا أن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى الادراك الواقعي لمجمل الظروف المحيطة، فمن خلالها قد يتحول الفشل إلى نجاح، أو النصر إلى هزيمة والعكس.

عندما بعثت احدى شركات الأحذية البريطانية في القرن الثامن عشر اثنين من مندوبي التسويق لديها إلى أفريقيا، سرعان ما أبرق الأول إلى الشركة الأم في مانشستر قائلا «لا أمل لشركتنا في هذه البلاد.. الناس هنا لا ينتعلون الأحذية أصلا». فيما كتب الآخر في برقيته للشركة «الناس هنا لا ينتعلون الأحذية.. انها فرصة عظيمة لتسويق منتجاتنا».

الشعب الالماني خرج من الحرب العالمية الثانية وجل مدنه سويت بالأرض. إلا ان الألمان ببساطة لم ينتحبوا على ما وصلت اليه بلادهم من دمار شامل، وعقوبات قاسية وحظر التسلح، فقد برزت عظمة هذا الشعب خلال فترة وجيزة، فسرعان ما أضحى قاطرة الاقتصاد الأوروبي، وأحد أضخم الاقتصادات العالمية. هنا تبرز قيمة تحويل الهزيمة إلى نصر، والفشل إلى نجاح ساحق. وعلى غرار ذلك فعل اليانيون.

لقد استطاعت الهند تحقيق التعايش السلمي بين مئات من الديانات والمذاهب التي يعج بها شعبها الذي يربو على مليار نسمة. ولا أدل على ذلك من شكل الحكومة القائمة اليوم، فرئيس البلاد، ذات الغالبية الهندوسية، من أقلية السيخ، فيما يرأس الخارجية وزير مسلم. لقد قدم الهنود أكبر ديمقراطية في العالم، فهم ببساطة حولوا حال التنوع في بلادهم إلى عنصر قوة.

في ماليزيا، البلد المسلم، وضع باني نهضتها رئيس الوزراء السابق محاضر محمد خطته الشهيرة والمعروفة «2020»، وخلاصتها تحقيق النهوض الحضاري وبلوغ مستوى الاقتصادات العظمى بحلول عام 2020. وتعتمد فلسفة هذا الرجل على الاستثمار في العنصر البشري بالدرجة الأساس. ويقول لو أن ماليزيا بقيت تعتمد على انتاج المطاط الطبيعي كما في السبعينات لأضحت اليوم من أفقر بلاد العالم، خصوصا بعد بروز بدائل صناعية عن المطاط الطبيعي.

الفرص لا تهطل من السماء كالمطر لا على الأفراد ولا الشعوب. بعض الفرص قد تتكرر بعد عقود من الزمن وبعضها قد لا يتكرر أبدا، ولعل من أحسن ما قيل في هذا الصدد قول الإمام علي بن أبي طالب «ضياع الفرصة غصة».

ومن أسف نقول أن بلادنا تكاد تضيع اليوم فرصتين نادرتين قد لا يجود بها الدهر قريبا. فرصة الاصلاح السياسي، والإصلاح الاقتصادي. فبلادنا تواكب اليوم مرحلة تحولات كبرى في المنطقة، ومن الخير لهذه البلاد حكومة وشعبا أن يسلكا الطريق الصحيح وأن يختارا الجانب الصحيح من التاريخ، وذلك لن يتحقق ما لم يجر اصلاح شامل للبنية السياسية أولا.

وكذلك الأمر على الجانب الاقتصادي، فمع كل ما لدينا من الموارد المالية الهائلة، لا تزال عالقة كل ملفات الفساد والهدر المالي والبطالة والفقر، ولن يستقيم الأمر مادمنا مصرين على سياسة «وداوها بالتي كانت هي الداء».!

كل ما أخشاه ان يصبح حال بلادنا حال امام المسجد العراقي في النكتة الشهيرة. حيث يروى أن اماما قفز على سطح المسجد حين أوشك فيضان على مداهمة البلدة التي فر جميع سكانها، فمر عليه صاحب شاحنة ودعاه للركوب فرفض، بعدها مر عليه سائق سيارة أجرة ودعاه للركوب فرفض مرة أخرى، ثم مر سائق دراجة نارية فرفض الإمام الركوب، حتى داهمه الفيضان وغرق. تقول النكتة العراقية أن الإمام عاتب الملائكة على عدم انقاذه، فأجابه أحد الملائكة لقد بعثنا لك بشاحنة وسيارة أجرة ودراجة نارية «شنسويلك بعد اكثر من ھﯿچ»؟!

كاتب سعودي