آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«أنوار البدرين» وقيمته التاريخية

وسام السبع * صحيفة الوسط البحرينية

يُعد الشيخ علي بن حسن البلادي «ت 1340هـ/ 1922م» أحد أبرز من أرّخ للحياة العلمية في البحرين من خلال كتابه «أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والاحساء والبحرين»، الذي يعد من أهم الكتب التي تناولت تاريخ رجال المؤسسة والنشاط الديني في هذه المنطقة التي كانت تعرف تاريخياً بالبحرين الكبرى.

ومخطوطات كتاب «أنوار البدرين» وصلت إلى أقاصي الدنيا، ووجدت لها مكاناً بارزاً في أرفف مكتبات أهل العلم في العراق وإيران والمنطقة الشرقية، المسرح التقليدي لهجرة أهل البحرين، وخصوصاً أن الشيخ البلادي سمح باستنساخ كتابه وعدد من مؤلفاته ورسائله، ومن أبرز مخطوطات الكتاب النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة السيدحسن صدرالدين «ت 1931»، وهو من أهل الكاظمية، وهي بخط المؤلف كما ذكر الشيخ الطهراني «ت 1970» في كتابه «الذريعة إلى تصانيف الشيعة». بالإضافة إلى نسخة أخرى تلقاها السيدمحسن الأمين «ت 1951» من أحد أحفاد المؤلف.

الشيخ البلادي، فقيه وشاعر، وهو من مواليد البلاد القديم التي كانت عاصمة البلاد ذات الماضي الروحي والاجتماعي والعلمي الضارب في جذور التاريخ، توفي والده وله ثماني سنوات، وكان قد حفظ القرآن الكريم، وهاجرت به والدته إلى القطيف في المنطقة الشرقية وله إحدى عشرة سنة، بسبب اضطراب الأحوال في البلاد والأحداث التي تزامنت مع مقتل الحاكم، ولهجرة البحرينيين للقطيف حكاية تستحق الرواية حقاً.

في القطيف حظي برعاية الفقيه أحمد بن صالح آل طعان «ت 1315هـ/ 1897م» وعليه درس المقدمات من علوم عربية وشيء من الكلام والفقه.

ارتحل إلى النجف وفيها تابع دراسته على محمد طه نجف «ت 1905م» ومحمد حسين الكاظمي «ت 1890م» ومحمود محمد ذهب «ت 1906م»، ومرتضى مهدي الكشميري النجفي، وحسن بن مطر الجزائري وغيرهم.

اشتهر البلادي بتأليفه كتابه ذائع الصيت «كتاب أنوار البدرين ومطلع النيرين في تراجم علماء القطيف والاحساء والبحرين» الذي ساهم في توثيق سِيَرْ الكثير من علماء الشيعة في القطيف والاحساء والبحرين؛ وخصوصاً الذين كانوا في زمانه والذين سبقوه.

نقل الشيخ البلادي أنّ ولادته كانت سنة 1274هـ/ 1858م في قرية البلاد القديم في شمال البحرين، وقد توفي والده سنة 1281هـ/ 1864م في طريق ذهابه للحج وزيارة المدينة المنورة، وقد هاجر مع والدته سنة 1284هـ/ 1867م إلى القطيف.

يقول الشيخ البلادي ناقلاً قصة هجرته إلى القطيف: «حتى وقعت الواقعة العظيمة على بلادنا البحرين سنة 1284هـ/ 1867م التي قتل فيها حاكمها «علي بن خليفة» وغيره فتفرقت أهلها في الأقطار وتشتتوا في الديار، فكنت ممن رمته مناجيق الأقضية والأقدار وقذفته نون الآونة والأخطار في بلاد القطيف مع الوالدة المقدسة». وقد استوطن قرية القديح في القطيف وتوفي في كربلاء ودفن فيها.

وضع الشيخ البلادي كتابه استجابةً لرغبة أستاذه الشيخ محمد صالح بن الشيخ أحمد بن صالح الستري، فقد سأله الشيخ محمد أن يكتب «كتاباً كاملاً ودستوراً حافلاً لترجمة علماء البحرين وفقهائها وأدبائها وفضلائها، مع ذكر مصنفاتهم ورسائلهم وما يدخل في هذا الشأن ويحوم حول هذا الميدان مما بلغه علمي وأحاط به اطلاعي وفهمي وإن كان قليلاً من كثير ونقطة من غدير».

ولقد واجه المصنّف صعوبات عديدة في تصنيف كتاب معجمي شامل لعلماء البحرين، وهو جهد يفوق قدرة الفرد بإمكانات متواضعة على إنجازه في ظروف اجتماعية وسياسية غير مؤاتية، ناهيك عن صعوبة الاتصال المباشر بعلماء البحرين «لتشتت أهلها في البلدان بما لعبت بهم أيدي الزمان، وما نالوه من البلاء والهوان من أهل الجور والعدوان، والحوادث والوقائع التي أخلت بهم الأوطان، وبددت شملهم في كل مكان «...» حتى بلغ الحال أن كثيراً من الأولاد لم يعلموا بآثار آبائهم، ولم يدروا بأنسابهم وأقاربهم».

ولقد رتب المصنف الشيخ علي البلادي كتابه في ثلاثة أبواب وخاتمة، ويظهر الكتاب في مقدمة تضمنت معلومات وافية عن البحرين ومدنها الثلاث إجمالاً، وفي الباب الاول في ترجمة علماء البحرين وهي جزيرة أوال، وعلى معطيات هذا الباب يستند هذا البحث. وفي الباب الثاني قدم فيه ترجمته لعلماء القطيف «الخط»، وفي الباب الثالث في ترجمة علماء الاحساء «هجر». وتضمنت الخاتمة أربعين حديثاً نبوياً.

يتميز كتاب «أنوار البدرين» بوصفه كتاب تراجم لعدد من أدباء البحرين الإمامية وشعرائها ومفكّريها في عصور مختلفة. ويولي البلادي في كتابه أهمية فائقة لرصد النشاط الفكري والأدبي الديني، لكنه أغفل التعمق في الحوادث السياسية التي عاشتها المنطقة في الفترة التي يغطّيها مكتفياً بالنقولات التي استمدها من كتب التراجم، أو تلك التي نُقلت له سماعاً، أو اجتهد في نقلها مباشرةً كشاهد عيان.

للشيخ البلادي تراث علمي وأدبي لم يكشف النقاب عن جزء كبير منه بعد، ولم يحظ بالعناية التي يستحقها، إخراجاً وتحقيقاً، ومن أبرز مؤلفاته «الحق الواضح في أحوال العبد الصالح»، وهو سيرة أستاذه ووالد زوجته. وجديرٌ بالذكر أنه ضَمّنَ كتابه «أنوار البدرين» ترجمةً لأحمد آل طعان؛ إلا أنه أفرد ترجمةً مستقلةً له في هذا الكتاب.

و «حواشي وتعليقات على شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد»، و«جنات تجري من تحتها الأنهار»، وهو ديوان شعره. و«جواهر المنظوم في معرفة المهيمن القيوم»، وهو منظومةٌ في الأصول العقيدية، ومنظومة «جواهر الزواجر في معرفة الكبائر»، ومنظومة «جامعة الأبواب لمن هم لله خير باب»، و«الأربعون حديثاً»، و«رياض الأتقياء الورعين في شرح الأربعين وخاتمة الأربعين»، وغيرها من العناوين.

لقد كان التراث الأدبي والعلمي الذي خلّفه الشيخ البلادي متنوعاً ويلامس هموما عقيدية ودينية كانت تتناسب واهتمام عصره، ولكن يبقى الكتاب الأبرز الذي وضعه الشيخ البلادي، وعمّق تخليد شخصيته العلمية هو كتاب «أنوار البدرين» الذي قام به الأستاذ عبدالكريم محمد علي البلادي، أحد أحفاد الشيخ، والكتاب بذل فيه صاحبه جهداً مشكوراً في إخراج هذا السفر النفيس وتحقيقه بشكل انعكس في تضاعف حجم الكتاب ليصل إلى 1066 صفحة، علاوة على صفحات الفهارس التي تبلغ 198، علماً بأن النسخة المطبوعة والمتداولة من الكتاب لا تتعدى 360 صفحة.

وحيث ان الشيخ علي أديبٌ وشاعرٌ من الطراز القديم، فإن أدبه النثري لم يخرج عن الموضوعات التقليدية المعروفة لدى أدباء المدرسة القديمة، فحفلت نصوصه بعنصر التشويق للإقبال على الآخرة والتخويف من التعرض للدنيا، والحث على أداء الواجبات وتجنب ارتكاب المحرمات. أما شعره فلم يكن فيه ثمة تجدد عن شعر أهل القرن الماضي، وقد وقف حياته الأدبية على خدمة أهل البيت ومدائحهم ومراثيهم، ولم يتعرّض لسواهم إلا لماماً.

هذه دعوة مفتوحة لدراسة التراث العلمي لعلماء البحرين، ويأتي على قائمة هذا التراث كتاب الشيخ البلادي «أنوار البدرين»، الذي يعتبر سجلاً حافلاً بالنشاط العلمي والأدبي لمنطقةٍ عانت كثيراً من الاستضعاف والتهميش.

كاتب بحريني