آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 6:15 م

علي (ع) الإمام العادل

عبد الرزاق الكوي

منذ إعلان مشروع حقوق الإنسان في 10 سبتمبر 1948، تبرز قضية حقوق الإنسان كتحدي مصيري من أجل حياة كريمة للإنسانية، وأن يعم السلام في المعمورة، فالعالم الحالي يعيش أسوء فترات حياته على نطاق أبسط حقوقه المشروعة، ينتظر بصيص من الأمل في تحقيق الحد الأدنى حقوقه المكفولة من قبل التشريعات السماوية والقوانين الوضعية والمواثيق الدولية، عالم اتجه في علاقاته إلى عالم الغاب، ملايين من البشر ذهبوا ضحايا من جراء أعمال خارجه عن كل المواثيق والدساتير الدينية وخارجه عن الروح الإنسانية.

مع مرور القرون وتشريع كثير من المبادئ لم ينجح العالم في صياغة دستور يمكن الاعتماد عليه وملزم للجميع في ظل وجود طوابير خفية ليس من مصلحتها تكريس مبدأ حقوق الإنسان والعدالة على النطاق العالمي وتسود حالك من المساواة بين الجميع في الحقوق والحريات وتقرير المصير، فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة اختيار الإمام علي في عام 2002 أنه اعدل حاكم في تاريخ البشرية، داعية إلى الاقتداء بنهجه الإنساني ومبدأه في تحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق السلام على النطاق العام، وطالب بأن تدرس الأجهزة الحقوقية والقانونية عهد الإمام علي لمالك الأشتر لكي تكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، ولقد صوتت غالبية دول العالم على كون عهد أمير المؤمنين علي كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي.

وثيقة الإمام وعهدته إلى واليه مالك الأشتر تضمنت عدة من الحقوق والحريات العامة تنم عن عقلية عبقرية لا مثيل لها بعد المصطفى محمد صلى الله عليه واله، رغم الفترة العصيبة التي استلم فيها الامام علي سدة الخلاقه بعد إصرار كثير من الصحابة على توليه هذا المنصب وإنقاذ ما يمكن انقاذه لهيبة ومكانة الدولة الإسلامية، خلال أربعين عاما من وفاة الرسول الأعظم، مرت الأمة بمنعطفات خطيرة من عنصريات قبلية واطماع دنيوية وتحالفات خفية، كانت الروح الشجاعة والمتيقنة في شخصية الامام علي ، ان عليه واجب شرعي ومسؤولية أخلاقية فقد اجتمعت في أمير المؤمنين كل المزايا من شجاعة وثبات على الحق وعلم وقيادة جعله المؤهل في الحفاظ على مكتسبات الرسالة وحقوق الامة وتحقيق العدالة، هذه المؤهلات كفيلة إلى أن يأخذ الأمة إلى منعطف الصلاح وإن يحقق عدالة السماء، لم يجود الزمان بعد الرسول ﷺ بشخصية متكاملة مثل شخصية الإمام علي ، تربى في كنف المصطفى وتعلم من علمه واصبح باب مدينة العلم.

قال رسول الله صلى الله عليه واله: «ياعلي أنا وأنت أبوا هذه الأمه».

عهدة الإمام علي إلى مالك الأشتر تشريع متكامل في جميع جوانب الدين والدنيا بجميع شؤونها، حيث اقتبس التقرير الدولي مقاطع من عهدة الإمام .

أن الحديث عن القيادة الحكيمة والسياسة العادلة والمواقف النبيلة في جميع شؤون الحكم بشكل عام وحقوق الإنسان بشكل خاص هو حديث زاخر بالمثل والعبر والصدق والموثوقية بإن الرجل المناسب في المكان المناسب، رغم ماحدث للأمة من تغيرات خطيرة وانحرافات عظيمة كانت المسؤولية الملقاة على عاتق الإمام على تحقيق العدالة للجميع من خلال تربية جيل من المسلمين وغرس فيهم المبادئ الحقيقية لمجتمع يتعايش فيه على مبدأ المساواة والحقوق بدون استثناءات، وهذه هي شخصية الإمام خلال حياته العامرة بالفضائل منذ نعومة أظافره ودفاعه عن الإسلام والرسول ﷺ، حتى استلامه للخلافة ويبقى تاريخ حافل من بعده يستهدى بنهجه، فالتاريخ يعيد نفسه فكما وقفت قريش في وجه النبي ﷺ، عندما أراد تحقيق العدالة والكرامة للإنسان بالتساوي، وارتكبت في حق المصطفى أبشع المؤمرات والتهديد بالقتل والأذى المستمر، كانت مسيرة الامام حافلة بالفتن والحروب التي شنت على حكومته لأنها كانت تخالف مشروعهم التخريبي في تغيير مسار الأمور إلى واقع من الفساد يخدم تطلعاتهم.

أراد الإمام تكريس مبادئ حقوق الإنسان ليس لفترة مرحلية، أو مجتمع معين ارادها لعالم متحضر ومجتمعات التعامل فيها بالعدالة والمساواة والكفاءات وليس المصالح الضيقة، فقد حقق الامام في مشروعه مالم تحققه الثورة الفرنسية وتشريعات الأمم المتحدة مجتمعة.

فقد قال : «اِعلَمُوا رَحِمَكُم الله أَنَّا في زمانٍ القَائِلُ فيه بالحق قليلٌ، واللِّسانُ عنِ الصِّدق كَلِيل، والَّلازم لِلحقِّ ذَلِيل»

مع قلة الناصر وكثرة العدو والمخالف، برز كمدافع صلب لا يلين رغم شدة الحروب والفتن، وقوى الشر التي لا يناسبها مشروع يقتص من الفاسد مهما على مكانه ويعطي للضعيف حقه مهما صغر حجمها في نظر المجتمع، كانت نظرته للإنسان أنه خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض، مرت فيها الأمة بتجربة فريدة بقى صداها حتى هذا اليوم، حيث ضاع المعنى الحقيقي لحقوق الإنسان كفرد عجز عن تحقيقه مع مرور السنين

عقول اجتمعت وحكماء تكاتفت وهيئات تحالفت، كانت نظرة الامام الثاقبة بخلفيتها الإيمانية القوة الدافعة لتحقيق العدالة، جعلها من المرتكزات في تأسيس حكومته، فبقيت وثيقة حقوقية لا يستغنى عنها لما يقارب أربعة عشر قرنا.

وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة: إنّ هذه العبارة من عهد الإمام علي لمالك الأشتر يجب أن تعلّق على كلّ المؤسسات الحقوقية في العالم، والعبارة هي: ”وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق“.