آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورات الربيع العربي والتحول الديمقراطي

محمد الشيوخ *

جوهر الاحتجاجات والثورات الشعبية التي يشهدها العالم العربي اليوم هو عبارة عن صراع بين قوى الاستبداد القديم وقوى التحرر الجديدة. وما يجري في دول الربيع العربي تحديدا، هو مخاض قاس ونضال معقد نحو التحول الديمقراطي المنشود، والذي قد يأخذ زمنا طويلا بحسب باحثين أو قصيرا بحسب آخرين. لكنه في النهاية، وبحسب باحثين كثر، قد يفضي إلى إقامة دول ديمقراطية قوية وفاعلة، تكون معبرا لانتقال أو تحول حقيقي نحو الديمقراطية.

وكما تم الاشارة سابقا، فأن التحول الديمقراطي المقصود به هنا، هو عبارة عن حدوث عملية تبدل أو تغيير جذري وشامل في بنية المجتمع، وذلك بسبب فعل الثورات التي تحدث تأثيرات بالغة على كافة الانساق الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، الى جانب النظم السياسية السلطوية القائمة، والتي غالبا ما يتم استبدالها بنظم ديمقراطية فاعلة وحديثة تؤْمن بالتعدديّة السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة، من خلال الممارسة الديمقراطيّة عبر صناديق الاقتراع، إلى جانب الإيمان بحريّة التعدديّة الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة والثقافيّة والاجتماعيّة للأقلّيّات وحمايتها [1] ، ومن ثم تلبي ما عجزت عن تلبيته الانظمة المستبدة القديمة.

فالتحول الديمقراطي المقصود لا يقتصر على النظم السياسية فحسب، وانما يطال بنية المجتمع بعد ان تتعزز فيه قيم ومبادئ الديمقراطية بحيث تشكل فلسفته الخاصة. وبحسب برهان غليون، فان سيرورة الانتقال الديمقراطيّ المُرادة، في بلداننا، تكمن في العمل على «تغيير وعي الأفراد وتعزيز فرص تعاونهم وتضامنهم وتنظيمهم. فهي ثمرة جهدٍ متواصلٍ محورُه الحقيقيُّ تحريرُ الإنسان، وقبل ذلك تحرّر أولئك الذين يؤمنون بتحرير الإنسان أو يعملون في حقله، من ثقافتهم غير الديمقراطيّة وأساليب عملهم التقليديّ. فهذا التراكمُ الثقافيّ والسياسيّ والاستراتيجي هو الذي يمهّد عادةً لنقلة كيفيّة، ويجعل من الانتفاضات والثورات المُحْتملة شيئًا آخرَ غيرَ التمرُّدات الشعبويّة، التي أدى إخفاقُها إلى تعزيز الاستبداد»[2] .

إمكانية التحول الديمقراطي

كما أن قيام الثورة ونجاحها في اسقاط النظم وحده ليس شرطا كافيا لاحداث تحولات عميقة في بنية المجتمع تؤدي بالضرورة الى الديمقراطية، فهناك العديد من الثورات التي حدثت في العالم أطاحت بنظم سلطوية، لكنها انحدرت إلى الحرب الأهلية، أو انضمت إلى خانة الدول المنهارة، أو استبدلت بديكتاتوريات أخرى. فلقد مرت العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وحتى العالم العربي بمراحل مبكرة من التحول الديمقراطي، لكن الكثير من حكوماتها فشلت في تحقيق الديمقراطية [3] . لكن ما هو مؤكد منه أن الثورات الشعبية وإن لم تفض إلى تحول حقيقي نحو الديمقراطية الا انها تحدث غالبا تغييرات كبرى وعميقة على صعد عدة.

وبما أن الثورات العربية لم تكتمل مراحلها ولم تنجر كامل اهدافها ولم تستقر بعد، فأن الوقت لازال مبكرا لإعطاء حكما قاطعا حول مدى تأثيراتها العميقة في البنية الاجتماعية والنظم السياسية في المستقبل القريب أو المتوسط أو حتى البعيد ايضا. لكن، وبحسب المؤشرات الراهنة، يمكن رصد ثلاث اتجاهات، لكل واحد منها فريق له قراءته الاستشرافية الخاصة حول إمكانية الثورات العربية على احداث تغيرات جذرية تقود الى تحول حقيقي نحو الديمقراطية، سواء على صعيد بلدان الربيع العربي أو المنطقة العربية عامة.

الاتجاه الاول، يرى في الثورات الربيع العربي إمكانية حدوث تحولا ديمقراطيا، لكنه يتطلب جملة من الشروط علما بأنه سيأخذ وقتا طويلا. غالبا ما يستحضر هذا الفريق في اذهانهم تجارب الثورات التاريخية السابقة التي احدثت تحولات هائلة وعميقة في العديد من الدول، كالثورة الفرنسيّة التي اندلعت عام1789 وامتدت حتى 1799، وأثرت بشكل بالغ العمق على فرنسا وجميع أوروبا، لكنها لم تترسَّخْ مبادئها في عموم أوروبا إلا بعد أكثر من خمسة عقود من الزمن تقريبا أو أكثر. كما ويرى اصحاب هذا الاتجاه ايضا وجود معوّقات من شأنها إعاقة عملية الانتقال نحو الديمقراطيّة، بسَلاسة وبسُرعة، في بلدان الربيع العربيّ، ابرزها ما هو متعلّق بالبنية الفكريّة - السياسيّة لمجتمعات هذه الأقطار الثائرة.

وانطلاقًا من تحليل هذه البنية، رصد الباحث فاخر جاسم جملةً من هذه المعوّقات منذ مطلع العقد الثاني من الألفيّة الحاليّة. أولُها: انحسارُ الفكر الليبراليّ الديمقراطيّ في هذه البلدان. وثانيها: ضعفُ الوعي السياسيّ في مجتمعاتنا، وهو ما يُصعّب فهْمَ لغة الخطاب السياسيّ المتداوَل الآن، والتي تؤسّسه أهدافٌ وشعاراتٌ كبرى من قبيل: الديمقراطيّة، ودولة الحقّ والقانون، والانتخابات، والدولة المدنيّة. وثالثُها: أسلوب التفكير الشموليّ لدى أطراف المشهد السياسيّ العربيّ «3».

الاتجاه الثاني، يشاطر الاتجاه الاول في إمكانية حدوث تحول نحو الديمقراطية في العالم العربي، بسبب فعل الثورات الشعبية، ولكن يختلف عن الفريق الاول في المدة الزمنية التي سيستغرقها ذلك التحول، وكذلك في نوعية المعوقات المعرقلة أو المعيقة. فالمفكر العربي عزمي بشارة، بحسب الباحث رضوي، وهو ينتمي الى هذا الاتجاه، ينفي أنْ تكون ثورات الربيع العربيّ محتاجةً إلى مثل هذا الزمن لاعتبارات متعددة ابرزها: وجود مؤسّساتُ دولة، وجيوشٌ حديثة، ووسائلُ اتصال متطورة، وفئات المثقفين والطبقات الوسطى، وصَيْرُورة تشكّل الأمم [4] . فبشارة يرجح الانتقال السريع نحو الديمقراطية في بلدان الربيع العربي، لتوافر الشروط الآنفة الذكر.

الاتجاه الثالث من الدراسين لظاهرة الثورات والاحتجاجات العربية، لا يرون فيها القدرة على إمكانية صنع أي شكل من اشكال التحول الذي يفضي الى الديمقراطية، بل انهم ذهبوا الى ابعد من ذلك بكثير، حيث يرون ان هذه الثورات لا تعدوا اكثر من كونها مؤامرات كونية أو ردات فعل عبثية، اذا أحسن الظن بها، وبالتالي ستقود الى فوضى مدمرة، ومن غير المستبعد ان تعيد ايضا انتاج الاستبداد ثانية لكن بصورة اشد وأقسى وإن كان بشكل مختلف عن ذي قبل. يستشهد اصحاب هذا الفريق بما يجري حاليا من فوضى عارمة وصراع حاد وانقسامات عميقة وعدم استقرار في كل من تونس ومصر، على الاقل، وذلك بعد وصول الاسلاميين الى سدة الحكم هناك.

فرصة التحول الديمقراطي

يبدوا أن الثورات العربية تمثل اليوم الفرصة الذهبية الأنسب لإحداث تحول حقيقي نحو الديمقراطية، ليس في دول الربيع العربي فحسب، وانما في المنطقة العربية ككل، وذلك لمجموعة اسباب ابرزها سببان:

اولاهما، إن الانظمة العربية القائمة، وبحسب سلوكها الراهن، تمثل عقبة رئيسية امام اي تحول ديمقراطي في بلدانها وعموم المنطقة، كما انها لن ولم تساهم أو تشارك حتى في صناعة هذا التحول، مما يعني ان السبيل الوحيد الى احداث اي تغيير نحو الديمقراطية في المنطقة العربية لن يمر ولم يتمر الا عبر بوابة الثورات، فهي طوق الخلاص الوحيد من الاستبداد والمعبر المتاح لإحداث التحولات الكبرى.

ثانيهما، إن انتشار الديمقراطية في العالم الحديث، كما عودتنا التجارب، قد جاء على شكل موجات، بسبب الثورات غالبا وليس نتيجة أي أسباب أخرى. فقد اندلعت الموجة الأولى في أعقاب الثورتين الأمريكية والفرنسية، وهو ما مَثل بداية التحول الديمقراطي في أوروبا والأمريكيتين في القرن التاسع عشر. إلا أن هذه الموجة قد انحسرت بفعل صعود الشيوعية والحركات الفاشية. ثم ظهرت الموجة الثانية من الديمقراطية غداة الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت إعادة انتشار الديمقراطية في أوروبا الغربية ووصول الديمقراطية إلي اليابان، والهند، وبعض الدول المستقلة حديثاً عن الاستعمار.

وفي تطور لاحق، بدأت الموجة الثالثة في أوائل السبعينيات مع عمليات الانتقال الديمقراطي في أوروبا الجنوبية: إسبانيا، والبرتغال، واليونان، وأيضاً مع الانتقال الديمقراطي في البرازيل وبلدان أخرى في أمريكا الجنوبية والوسطى. ويُلاحظ أن هذه الموجة أصبحت أكثر اتساعاً بفعل تفكك الاتحاد السوفيتي، وتداعي جدار برلين عام 1989، حيث تحولت كل أوروبا الشرقية والوسطي تقريباً إلى الديمقراطية بما في ذلك روسيا، كما أن الكثير من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء أطاحت بحكامها السلطويين واتجهت صوب الديمقراطية.

وفي أوائل القرن الواحد والعشرين شهدت العديد من الدول ما عُرف بالموجة الرابعة للديمقراطية، والتي سماها البعض بالثورات الملونة أو الثورات الانتخابية، وقد ضمت هذه الموجة عدد من دول أوروبا الشرقية، وهي سلوفاكيا، وكرواتيا، وصربيا، وجورجيا، وأوكرانيا [5] . ويشهد العالم في الوقت الراهن العديد من الثورات في المنطقة العربية التي جاءت بشكل أساسي تطالب بالديمقراطية والقضاء على النظم التسلطية، وهو ما أطلقت عليه العديد من الكتابات الغربية بربيع الديمقراطية العربي أو الموجة الخامسة للتحول الديمقراطي [6] .

وعليه، فانه يمكن للثورات العربية ان تفض الى تحول ديمقراطي في بلدان الربيع العربي، والمنطقة عموما، اذا ما تجاوزت العقبات والتحديات الداخلية والخارجية التي تقف أمامها، وكذلك اذا ما توافرت الشروط والضمانات لصنع ذلك التحول المأمول، وليس مهما أو متوقعا أن يتم ذلك التحول في فترة قصيرة، ولكن المهم ان يسلك ذلك التحول المسار الصحيح، عبر إقامة نظم ديمقراطية حديثة وفاعلة، تساهم في عملية تغيير واقع الشعوب العربية الى ما هو افضل.

وفي حقيقية الأمر، فأن الربيع العربي، مع كل ما فيه من صعوبات وتحديات وقصور واخفاقات، لازال يمثل بداية عصر جديد للعرب، ولحظة تاريخية فارقة في حياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد يفضي إلى تحول حقيقي وعميق نحو الديمقراطية، اذا ما تم توفير مستلزماته وشروطه واستثماره بشكل جيد. وهذا هو التحدي الأكبر لشعوب هذه المنطقة.

[1]  عامر صالح، «الربيع العربيّ وخيار الديمقراطيّة: الأسباب - المخاطر - الآفاق، »مجلة الحوار المتمدّن «العراقيّة»، 27/09/2011.
[2]  برهان غليون، «آفاق الديمقراطيّة في البلاد العربية، » مجلة بريق «الإلكترونيّة»، أكتوبر 2009.
[3]  بول سالم، «الربيع العربي وتجارب التحول الديمقراطي في العالم»، الحياة، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2011.
[3]  جاسم فاخر، «الاحتجاجات الشعبيّة العربيّة وآفاق تطورها الديمقراطيّ، » مجلة الأكاديميّة العربيّة في الدنمارك، 2011.
[4]  عمار، رضوي، «الثورة وإشكاليات التحول الديمقراطي»، الاهرام 2012م.
[5] بول سالم، «الربيع العربي وتجارب التحول الديمقراطي في العالم»، الحياة، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2011.
[6] عمار، رضوي، «الثورة وإشكاليات التحول الديمقراطي»، الاهرام 2012م.
باحث في علم الاجتماع السياسي