آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 4:01 م

الذهب الأخضر

وسيمة عبيدي * صحيفة اليوم

تقود سيارتك على الشوارع المعبدة حتى تصل لتلك المنطقة الساحلية ثم تصعد على الكوبري، الذي يعتلي الكتل الخضراء، فتخفف السرعة حتى تستمع بالمناظر الطبيعية من حولك. وفي المنتصف، يتفرع الطريق ليأخذك إلى متنزه يحوي جلسات خارجية تطل على أشجار المنقروف، التي تحيط بالمكان. تنتشر ممرات المشاة الخشبية وتتغلغل بين الأشجار، وهنالك ممرات زجاجية أيضاً تسمح للزوار برؤية جمال المياه الصافية والاستمتاع بالأسماك، التي تسبح وتتراقص حول جذور أشجار المنقروف المتشابكة تحت أقدامهم. وفي زاوية قريبة، تجد بعض هواة الصيد وقد رموا بأطراف صنارتهم في الماء وجلسوا يتبادلون أطراف الحديث قبل أن تتحرك صنارة أحدهم معلنة عن اصطياد أول سمكة بعد صبر طويل لتغمر صاحبها النشوة والسعادة.

تتجول الكثير من نوارس البحر في السماء وتحط مع مختلف أنواع الطيور عند الجلسات الخارجية لتلتقط ما يجود به الزوار عليها من الخبز أو بقايا الطعام. في زاوية أخرى، تصطف بعض القوارب الصغيرة، التي يستأجرها الزوار لتأخذهم في رحلة داخل قلب الطبيعة. يتهافت المصورون لالتقاط الصور ومقاطع الفيديو لأسراب طيور الفلامنقو الرائعة، وعندما تبدأ الشمس بالغروب، يتسمر الجميع أمام منظرها وهي تتوارى بخجل خلف الأفق المشرب بحمرة الشفق الساحرة. ومع حلول الليل، تبدأ الأنوار الصغيرة على طول الممرات بالعمل لتحول المنطقة إلى عالم من الخيال. لا عجب أن يأتي السياح من جميع أنحاء العالم للاستمتاع بجمال هذا الساحل الخلاب، الذي يحتوي على أطول وأكثف غابات قرم في العالم، فإضافة للتغذية البصرية، فهي تعتبر شريان الحياة الأخضر لهذه المنطقة ولكل العالم.

هل بالغت في الوصف؟ هل تود معرفة عن أي منطقة أتحدث؟ أنا أتحدث عن غابات المنقروف الممتدة على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية، وبالتحديد محافظة القطيف، وما كتبته ما هو إلا أمنية تراودني وجميع سكان المنطقة أن تصل أصواتنا لوزارة البيئة والمياه والزراعة ولوزارة الشؤون البلدية والقروية للبدء في تنفيذ هذا المشروع المذهل بأسرع وقت.

المنقروف أو أشجار القرم هي أشجار تنمو في المياه المالحة على المناطق الساحلية، وقد تقتل الظروف الصعبة كمواجهة تيارات المياه وملوحتها أكثر النباتات ضخامة وحجماً لكن هذه الشجرة الرائعة لا تتكيف فقط مع قسوة الظروف بل تخلق بيئة حاضنة رائعة للأحياء البحرية والطيور. تعتبر أشجار المنقروف من أكثر الأنظمة البيئية فائدة، فهي سكن وغذاء للكثير من الكائنات الحية مما يمنحها أهمية بيولوجية واقتصادية كبيرة. هي ثروة وطنية ومسكن غني للكائنات البحرية وبيئة مناسبة للكثير من الطيور المهاجرة، فضلاً عن كونها خط الدفاع الأول للسواحل وحارسها الأمين، الذي يقوم بتثبيت رمالها وحمايتها من عوامل التآكل والتعرية بفعل الأمواج والتيارات البحرية. تعمل أشجار المنقروف أيضاً كجدار واقٍ من العواصف والفيضانات، كما تعتبر من أهم الأسلحة لمكافحة التغير المناخي، فهي تمتص الكربون وتخزنه في تربتها بكميات هائلة، وتطلق الأكسجين وتصفي المياه من الرواسب وبعض الملوثات الكيميائية، وعند تدميرها أو تدهورها وغيرها من الأنظمة الإيكولوجية الساحلية، ينبعث منها الكربون المخزن منذ قرون، فتصبح مصدراً لانطلاق الغازات السامة.

لقد عانت أشجار المنقروف كثيراً بسبب ردمها نتيجة للتمدد العمراني، الذي دمرها وقتل الكائنات، التي تعيش فيها وقد حان الوقت ليفهم الإنسان أهميتها ويحميها ويعطيها التقدير والاحترام الذي تستحقه. وحان الوقت أيضاً لتحقيق أمنية أهالي المنطقة بحماية هذه الثروة والعناية بها والاستفادة منها.