آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

إلى أيـن يتّـجه العـراق؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

بعد مرور 10 سنوات على الاحتلال الأمريكي، أصبح العراق نموذجا للدولة الفاشلة، على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية كافة، على الرغم من ثرواته الطبيعية الهائلة، وموارده البشرية الغنية، والمداخيل الضخمة للدولة «قدرت ميزانية هذا العام بأكثر من 200 مليار دولار»، والناجمة من إنتاج وتصدير النفط حيث يعتبر العراق ثالث أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، بعد السعودية وروسيا، وهو مرشح لأن يحتل المرتبة الثانية في تصدير النفط في السنوات القليلة القادمة.

الأخطر عراقيا وإقليميا، أن وجود الدولة والكيان الوطني الموحد للعراق بات مشكوكا فيه، حيث بات عرضة للتفكك والتذرر بسبب الانقسامات الفئوية الحادة، وصراع الهويات الطائفية والدينية والإثنية القاتلة، والتي تقف وراءها العديد من القوى المختلفة المتنفدة في داخل العراق، والمتداخلة مع دور بعض الأطراف الأقليمية والدولية، المدفوعة بمصالحها الضيقة، أو بحساباتها الإستراتيجية، والتي هي في كل الأحوال لا تصب في مصلحة الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي، على اختلاف مكوناته ونحله.

واهما أو مخاتلا من يعتقد بأن مقدرات العراق أصبحت اليوم بيد طائفة أو اثنية بعينها، رغم اللغة والممارسات الموحية أو الدالة التي تبدر من ممثلي هذه الفئة أو تلك، فحقوق الشعب في المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار منتهكة ومصادرة، وثرواته عرضة للنهب، حيث تتركز السلطة والثروة والقوة بيد حفنة قليلة من المنتفعين، من ممثلي الطوائف والإثنيات كافة، وذلك على حساب مصالح الغالبية الساحقة من الشعب العراقي ومكوناته المختلفة.

التجارب والمعطيات التاريخية تؤكد بأن الدولة القادرة على البقاء والقابلة للحياة والاستمرار، هي التي تجسد على الصعيد الدستوري والقانوني والعملي، مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وهذا المبدأ لا يلغى أو ينكر الوجود الموضوعي والتاريخي للهويات والمكونات الطائفية والدينية والإثنية الفرعية، بل يحترمها ويصون حقوقها ويعدها من مكونات النسيج الوطني والاجتماعي المشترك.

الخطورة تتمثل حين يصبح الدين والطائفة والإثنية بديلا عن الدولة والوطن والمواطنة، أو عندما يصور النظام الحاكم «لأسباب نفعية خاصة» نفسه معبرا عن فئة أو مكونا بعينه. يجادل البعض ومن بينهم نخب وشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية مؤثرة، ومن مواقع ليست فئوية ضيقة، بل وطنية أو ليبرالية أو يسارية، سواء في داخل العراق وخارجه، بأن إسقاط النظام الديكتاتوري/ الاستبدادي السابق في العراق، كان مصلحة وهدفا مركزيا لأغلبية الشعب العراقي، وذلك بغض النظر عن الوسيلة والأداة، غير أن السؤال هنا: هل الدول العظمى تتدخل هنا أو هناك بدوافع طبيعية / غريزية، أم أن دوافعها تستند إلى حسابات مجردة وباردة، تنبع من مصالحها الإستراتيجية الخاصة بعيدة المدى في المقام الأول، بغض النظر عن تقاطعها الحقيقي أو الوهمي الظرفي والمرحلي والمؤقت مع مصالح هذا الشعب أو ذاك.

ويحاجج البعض بأن التدخل الأمريكي الفعال أسهم في تحرير الكويت وهو ما تقاطع مع مصلحة الشعب الكويتي ومصالح دول الخليج العربي «وهو كذلك»، غير أن السؤال هنا: هل تدخل الولايات المتحدة كان بدافع أخلاقي أم بحكم مصالحها الإستراتيجية الضخمة في المنطقة، والتي كانت تتهددها الممارسات الرعناء والمغامرة للنظام العراقي السابق. القوات الأمريكية المتواجدة على الحدود العراقية لم تتدخل قط لنجدة الشعب العراقي في انتفاضته ضد النظام العراقي السابق في أعقاب انسحابه من الكويت.

بل إنها أعطته الضوء الأخضر لسحق الانتفاضة من خلال السماح له باستخدام مروحياته العسكرية ومدفعيته الثقيلة طويلة المدى، والتي سقط من جرائها عشرات الآلاف من القتلى العراقيين. لم يكن النظام الحاكم مستهدفا، بل العراق كدولة هي المستهدفة لما تختزنه من مقدرات وإمكانيات بشرية واقتصادية وعسكرية وعلمية، وذلك بدليل دعمه المباشر للنظام سابقا، إبان الحرب الضروس مع إيران والتي استمرت طيلة ثماني سنوات، أكلت الأخضر واليابس وأضعفت قوى الطرفين المتحاربين، وهو ما مثل مصلحة غربية وإقليمية وإسرائيلية مشتركة في ذلك الوقت.

الولايات المتحدة شنت الحرب على العراق على الضد من مصالح الشعب العراقي، وضد إرادة المجتمع والرأي العام في العالم العربي والعالم، كما تجاهلت الإدارة الأمريكية، معارضة قوى وشخصيات وازنة في المجتمع السياسي الأمريكي من بينهم الرئيس الحالي باراك أوباما، ووزيرا الخارجية والدفاع الحاليين، جون كيري وتشاك هاجل.. بعد مرور عشر سنوات على الغزو، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو المخرج، في ظل انحدار العراق السريع، وتحت أنظار ومشاركة زعماء الطوائف والإثنيات المختلفة، إلى مستنقع الحروب والصراعات الفئوية الداخلية المدمرة، والتي ستتعدى تأثيرتها الكارثية العراق لتشمل عموم المنطقة والعالم؟.