آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 3:53 م

وداعا أسطورة كرة القدم «9»

عبد العظيم شلي

على وقع صيف حار أسدل الستار على مونديال أسبانيا، الذي ابتدأ يوم 13يونيو وانتهى 11 يوليو - 1982، قرابة شهر من التنافس المحموم بين المنتخبات جمعهما 17 ملعبا موزع في 14 مدينة.

غادر الجمع بين زغاريد فرح ودموع خيبات، وإيقاع رقص ورفرفة أعلام امتزجت برحيل 24 منتخبا يمثلون دولهم ومن جميع القارات، وبأجمل ذكريات النصر للاتزوري الذي خطف الكأس من وسط أقدام الجميع.

لملمت الجماهير بعضها وسكتت طبول التشجيع، توقف ردح اللاعبين إلا الفتى الذهبي بقي في الأراضي الأسبانية يجوب ربوعها مع مواطنه ”ماريو كيمبس“ مهاجم نادي أشبيليه.

المدن القديمة تحي الفتى الذهبي بترحاب، وملاعب تجدد له أعطر التحيات وأخرى تنتظره بصيحات، هتافات قادمة على امتداد المستطيلات الخضراء موعودة مع ركضه حصادا وشغبا وعنفوانا.

جماهير برشلونة متعطشة لرؤياه، ترسم الانتظار لهفة شوق على إيقاع رجلاه، كل عيون الأسبان ترقبه بتباينات الميول وهوس الجنون، كل يتطلع إليه بتحفز، بين ولي حميم وخصم عنيد وعدو عتيد.

عدسات المصورين مستنفرة تلتقط تحركات الفتى أثناء التدريبات، صحف تقتنص جريه داخل الملاعب وتلهث وراء تصريحاته خارج الأسوار.

أسئلة مرتقبة كشوق عيون المحبين، ماذا سيقدم من عطايا كروية للمتلهفين.

وجوده مغامرة، فقد أتى بعناد مستميت، أحضره الكتلونيون بعد تنافس محموم بينهم وبين الإنجليز، لقد ظفروا به بصفقة العمر 8 ملايين دولار إلا قليلا، ليكون ضمن قلعتهم العتيدة، عنونت كل صحف العالم بأن الفتى الذهبي هو أغلى لاعب في العالم، مبلغ أغاظ الكثير من لاعبين وبعض مسؤولي الأندية الشهيرة، تتوالى نظرات حسد من نجوم الملاعب المتسيدين أعلى الأسعار، لماذا يكون هو أعلى منهم مبلغا؟

الغيرة فحش نفسي تدب في كل مناحي الحياة.

حينها أخبرت أخي محمد العسكري بأن مارادونا هو أغلى اللاعبين، ماذا يعني ذلك؟، جاوبني: ”نعم هو الأغلى لكنه ليس الأفضل، وسعره مسألة عرض وطلب، من دفع أكثر حصل عليه، مكابرة من نادي برشلونة لجلبه بكل ما أوتي من قوة حتى لا يذهب لنادي آخر“.

كنت متمسكا بقناعتي طالما هو الأغلى إذا هو الأفضل وكنت مصرا بعناد، بأنه اللاعب الأفضل والأحسن دون تثمينه بسعر معين، الأيام بدلت قناعات الأصدقاء بانحياز نحو الفتى، لأن إنجازه فيما بعد كان خير برهان.

ها هو الدوري الأسباني يطرق الأبواب موسم جديد يحل ماردونا ضيفا عليه لأول مرة، وثمة أسئلة تتوالد، يا ترى ماذا سيصنع الفتى بعالم المستديرة بعد إخفاقه في كأس العالم وتنقلاته لـ ثلاثة أندية أرجنتينية، فهو الآن على المحك الأوروبي بمساحة أكبر وزمن أطول، كيف يجابه بذخ القارة العجوز.

نزل مارادونا الملعب يرتدي قمصان نادي برشلونة بشعاره المخطط بالأزرق والأحمر.

انطلق الدوري وعجلة المباريات لا تتوقف جولات حامية من مدينة لأخرى والنتائج متباينة، البرشا يترنح بين مباراة وأخرى، وشيء من الذهول.

كنا نتابع الدوري الأسباني باقتضاب، نتف متطايرة لأخبار عابرة، كم نمني النفس أن نرى الفتى بين صفوف فريقه الجديد عبر بث مباشرة من خلال مباراة كاملة، حسبنا الصحف والمجلات الرياضية التي لا تشفي الغليل، نتحرى ردح الفتى وإن كان لمما. نقتنص أخبار سريعة حول ترتيب الدوري وأسماء الأندية الأسبانية المشتقة من أسماء مدنها الضاربة في القدم. ولنا شوق بترديد نطقها عربيا، كرانادا «غرناطة» وسيفييا «إشبيلية» وكرودوبا «قرطبة»، ومع جرس ذاكرة المدن نستعيد أمهات كتب الضاد والمخطوطات العتيقة، ننفث الآهات على الفردوس المفقود، ويا طوق حمامة ابن حزم لتنوحي فنحن البكاءون على ماض تولى، كان مجدا وصرحا من أحلام فهوى، وأضحى العز سرابا مع زفرة العربي الأخيرة، وجداننا ينشد تلك الأمكنة بفرح وطلل، ويسترجع الأيام الخوالي ببكائية عزف منفرد، صوت آسى تتلوها الحناجر، نجر الآهات 'يازمان الوصل بالأندلس، نراها يطوفا من خيال.

نتتبع أخبار الدوريات الأوروبية ما بين ليلة وأخرى عبر التلفزيون مع نهاية كل نشرة أخبار.

مشدودين للدوري الإيطالي فهو الأبرز والأمتع ومليء بالنجوم من كل حدب وصوب، أما الدوري الأسباني لم يأخذ بعد مكانته عندنا وكذا عالميا، نعرف بعض الشيء عن معمعة الصراع المستعرة بين ريال مدريد وبرشلونة، وبروز اتلتكو بالباو أحيانا في الواجهة.

لا أذكر أحدا من الصحب أبدى تعاطفا مع البرشا أو الملكي، فحمى الناديين لم تصل إلى محيط منطقتنا بعد.

خلال عقد السبعينيات كان اهتمامنا منصب على الدوري الإنجليزي وخصوصا نهائي الكأس حيث ينقل على الهواء مباشرة بصوت المعلق الفلسطيني ”أكرم صالح“، وميل نحو نادي ليفربول عند بعض الأصحاب، يرددون نجومهم المفضلين، وأبرزهم ”كيكن كيكان“ اللاعب الفنان صاحب رقم 7، لكن سرعان ما خفت ضوء الدوري الإنجليزي وتوجهت الأنظار للدوري الإيطالي وما بينهما الدوري الألماني بعض الشيء، وثمة انتعاش ولكن على استحياء نحو الدوري الأسباني، كل ذلك نشهده عبر متابعتنا لبرنامج عالم الرياضة الأسبوعي في أغلب تلفزيونات الخليج، والتميز لتلفزيون قطر، ساعة مع عالم الرياضة من إعداد وتقديم الثنائي سعد الرميحي وأيمن جادة طوال عقد الثمانينيات.

حماس يأخذني لشراء تلفزيون ملون، استشرت زملائي عن أفضل الماركات، قيل لي الفليبس أفضل، بينما التوشيبا أحسن، أخيرا قررت شراء تلفزيون ملون مقاس 32 بوصلة ماركة ناشيونال مع ”انتل ويزي“، ركنت التلفزيون القديم ذو 14 بوصلة الأسود والأبيض جانبا وكأنني أحلته للتقاعد، أخذني الجديد إلى فضاء أجمل، استمتاع بالصورة وانبهار بتحولات اللون.

ذات ليلة كنت مشغولا بالرسم وفي نفس الوقت استمع مع نصف مشاهدة لتلفزيون الكويت، وبعد انقضاء نشرة أخبار المساء، أطل المذيع ”بسكبته الكويتية“ تعلوه ابتسامة تملأ محياه، قائلا: «أعزائي المشاهدين أسعد الله مساؤكم بكل خير، سننتقل بكم إلى ملعب ”لا روماريدا“ في مدينة سرقسطة لنقل نهائي بطولة كأس ملك أسبانيا بين ريال مدريد وبرشلونة»، لم تسعني الفرحة تركت رسم الوسائل التعليمية المدرسية جانبا وتابعت مجريات مباراة القمة بين الغريمين التقليديين.

ولأول مرة سأشاهد الفتى في مباراة كاملة ومباشرة مع فريقه برشلونة، انطلقت صافرة الحكم، تنقلات كروية بين الفريقين، واستعراضات فنية لمارادونا، تغيض الخصم بتشنجات متتالية تلاعبات مستمرة بأقدامه ذات اليمين وذات الشمال، كلما انطلق ركضا أعاقوه، والحال يتكرر مرارا، كسب عديد ”الفاولات“، وإثر هجمة شبه مرتدة قادها الفتى الذهبي ومراوغة سريعة، جهز كرة على طبق من ذهب لزميله ”فيكتور مانريكي“ الذي لم يتوانى فعاجلها في سقف المرمى، هدف أول للبرشا، بعد مرور 32 دقيقة من حصة الشوط الأول والذي انتهى بهذه النتيجة، جاء الشوط الثاني واللعب سجال وبمزيد من ضياع الفرص للاعبي البرشا وكذا مارادونا حيث كان وجها لوجه أمام المرمى فرصة لم تكن لتضيع، وفي الدقيقة 90 يأتي الهدف الثاني بتوقيع ”الونسو“، توج البرشا ببطولة ملك أسبانيا 82 - 83 مع أول انتصار لمارادونا على الأراضي الأسبانية، رقص واحتفال ولحظات تتويج، أسفرت عن وقوع كاتب السطور في غرام فريق برشلونة، كأول مشجع لهذه النادي بين الصحب الكرام، تشجيع بدأ منذ ذلك الوقت بفضل وجود الفتى الذهبي بين صفوف الفريق، أما الغريم ريال مدريد عرفته قبلا، واحتفظ بأزمنته الجميلة التي مر بها، وعن امجاد خاضها معهم اول لاعب ارجنتيني يلعب على الاراضي الاسبانية، إنه اللاعب الفذ ”دي ستيفانو“ اسطورة زمن الخمسينات والستينات، لكني لم اتعاطف مع انتصارات الملكي بسبب ارتباطه بالجنرال الفاشي ”فرانشيسكو فرانكو“ الذي جير جبروت السلطة من اجل فريقه المفضل فالخسارة محرمة والحكام يرتجفون وصافرتهم في حوزة الملكي بنصر معلن سلفا.

إرث ”فرانكو“ يدمي القلب وتقشعر له الأبدان.

ودماء ”لوركا“ الشاعر الثائر في رقاب القتلة المأخوذون بناصية الجنرال تنفيذا كوصية موقعة من يداه في ليلة ظلماء.

الفن والشعر دفعا الثمن باهظا في الحرب الأهلية الأسبانية وحكم الأربعون عاما ذاق فيها الشعب الويلات بأنهار من دم، والكرة تلونت برائحة القتل، وتلقفتها أيد الساسة على مسرح العبث، والمتلاعبون خلف الكواليس حاضرون في كل زمن.

لكن بأي حال سيعبر مارادونا جنون كرة القدم الأسبانية؟!