آخر تحديث: 4 / 3 / 2021م - 8:55 م

جذور الحكمة


ورد عن الإمام الصادق : من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواؤها، وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام» «الكافي ج 4 ص 54».

ما هو ذلك المفهوم الذي يتحدث عنه الإمام الصادق ، والذي يحمل كل تلك الآثار المرجوة من جوائزه وتبعاته السنية؟

إنه الزهد في الدنيا، ولا يعني ذلك أبدا أن يقطع المرء علاقته بالدنيا ويغفل عن تلبية حاجات الجسد والغرائز، فإن ذلك يعني الرهبنة المرفوضة والتي تحدث خللا في الشخصية، إذ هوية الإنسان بروحه وجسده فإذا طغى جانب على الآخر شكل ذلك انحرافا عن الفطرة السليمة.

ومسيرة الكمال الإنساني المتعنونة بالقيم والآداب الأخلاقية الصانعة للمرء مجده ورفعة شأنه، وأجمل ما في الإنسان هو ما يتحلى به من فكر واع يرى من خلاله حقائق الأمور جلية بلا تشوهات أو شبهات، وأولى الحقائق التي تواجه بصيرة الإنسان وتشكل القضية المصيرية عنده مسألة وجوده في الدنيا والدور الوظيفي له ونظرته لها، فهناك من ينغمس في شهواته وأهوائه فيرى في الدنيا ونعيمها وزينتها أكبر همه ويبقى رهينا مغيب الفكر حتى يرحل منها دون سابق إنذار، خالي الوفاض من أي عمل صالح يقبل به على ساحة العدل الإلهي ومشهد الحساب الأخروي.

وهناك من يرى الدنيا بثاقب فكره ونير وعيه فلا يصرف وقته وجهده في ظاهرها الزائل، بل يتزود من زخارفها بما يمتعه بحياة كريمة لائقة، دون أن يكون له نظر المطمع والجشع واللهث خلف النزوات وجمع الثروات من أي مصدر كان، فالحرص على الدنيا كشرب ماء البحر لا يروي أبدا ولا يعود عليه بمنفعة، فأين من حرصوا على مباهجها ألم يسكنوا حفر الأرض ورحلوا عنها دون أن يحملوا معهم أي شيء من متاعها، فهذه الدنيا حقيقتها سرعة الزوال والفناء ولا تستحق من يقاتل من أجلها، بل ويمتليء قلبه بالهموم من أجل نقصان الحظ وفوات بعض المصالح منها، كما أنه يحمل مشاعر الكراهية والحقد والحسد والغيرة من الآخرين بسبب حصولهم على حظوظ أكثر منه، ولذا فالعاقل الحصيف لا يمكنه أن يؤثر ما هو زائل ويترك الدائم وهو النعيم الأخروي، فيزهد عن الطمع في الدنيا والتفاني من أجل متاعها وينصرف قلبه عن ملذاتها التي لا تنتهي.

فما الذي يتأتى ويتحصل عليه من رغب في النعيم الأخروي وانصرف عن متاع الدنيا المشوب بالمنغصات والآلام؟

الأثر الأول هو التكامل العقلي والتحصل على الصوابية في التفكير واتخاذ القرارات المناسبة، وهي التي عبر عنها الإمام الصادق بإثبات الحكمة في قلبه، أي أن فهم حقيقة الدنيا والإعراض عن اللهث خلف زينتها بنحو الطمع والافتتان، يدفع المرء نحو ترقب يوم القيامة بمحاسبة النفس وتجنب المعاصي والأخطاء والظلم، كما يتطلع إلى كمالات النفس الحقيقية بالتحلي بالقيم الأخلاقية وحسن معاملته مع الآخرين والتي تقوم وفق الاحترام والود.

كما أن نبتة الحكمة تزهر على مستوى الخطاب والمنطق والحوار الذي يمده وجدان يتعامل مع الواقع والأحداث بهدوء وتأمل وروية، فالمنطق الحكيم والكلام الوازن أهم مناشئه فهم حقيقة الدنيا والتخلص من أغلال الافتتان بالدنيا ونعيمها الزائل، فينطلق المرء الزاهد في الدنيا من مبدأ حفظ الحقوق ورفض الظلم واحترام وجود الآخر، وكم نتوق إلى الوصول إلى هذا المستوى من الاتزان الفكري والكلامي والذي يتعامل مع الأفكار والنقاشات من منبع الاستماع والتروي والدراسة المنطقية من كل الجوانب والأبعاد.

كما أن جذور الحكمة تعكس ظلالها على صاحبها بمعرفة وفهم لما يعتور الإنسان من أمراض تصيب محبي الدنيا، وتقدم الترياق والبلسم الشافي من تلك الأوبئة الأخلاقية الخطيرة والمدمرة، فحب المال بنحو الهيام والطغيان يصيب الإنسان بالبخل والطمع والجشع والكسب الحرام والتعامل المالي غير المسوغ شرعا، وأما الدواء لهذا الداء القناعة برزق الله تعالى دون أن يفقد طموحه لتطوير وتحسين أحواله المالية، متذكرا حقيقة أن المال ما هو إلا وسيلة لتحصيل مستلزمات الحياة الكريمة، وبناء المستقبل الأخروي بعمل المعروف وتقديم الصدقة.

وآخر ثمار الزهد في الدنيا للعاقل الحكيم هو الخروج من الدنيا سالما من العيوب والنواقص والخطايا، فمن طلب السلامة والنجاة والخلاص في دار السلام والأمان والنعيم الأخروي فليترك الطمع والافتتان بنعيم الدنيا الزائل، فحب الدنيا يلحق به كل الآفات الأخلاقية ويسلخه من الكرامة الإلهية المبنية على العقل الواعي الداعي إلى الاستقامة والثبات.