آخر تحديث: 4 / 3 / 2021م - 8:55 م

جبر من بطن أمه للقبر!

نموت ولكن نجهل متى وكيف وأين، وفي المسافة ما بين المهد واللحد نكتب أحداثَ رواية، هي رواية حياتنا. اللهُ فوقنا يفعل ما يشاء، لكن يمكننا أن نقول أن الرواية فيها الكثير من مساهمتنا وإخراجنا، فكيف يا ترى نكتبها؟ تعال معي لننظر كيف أبناء آدم يكتبون رواياتهم بما أعطاهم الله من أدوات كتابة:

أغلبنا يكتب روايةً بائسةً وتعيسة، والكثير أعجز وأَكسل من أن يستيقظ ويكتب سطرًا واحدًا، وقلَّة هم من يكتبون أبدع وأروع رواية يمكن لبشرٍ أن يكتبها، وأشعر بالأسف على تبديد أناس قادرين الوقت في كتابةِ فصولٍ لا قيمة لها. ولقد وجدت أصدق نصيحة في كيفية كتابة رواية حياتنا في بيتِ شعر نظمه ابن دريد في المقصورة:

وإنما المرءُ حديث بعده * فكن حديثًا حسنًا لمن وعى

كلُّ عمرٍ يكفي لكتابة قصة ورواية، والتاريخ يحكي أن كثيرًا أعمارهم قصيرة، مثل كواكب السَّحَر، كتبوا أمتعَ الروايات وكأنهم عمروا وعاشوا مئات السنين. هو من التناقض العجيب أن يُعمَّر امْرُؤٌ طويلًا ويعيش أيامه دون إنجازات تكتب أو تروى. ويعيش آخر سنواتٍ قصيرة حكاياتها تسير في ركاب التاريخ.

وقد عدَّ المؤرخون السيدةَ فاطمة الزهراء أفضل من كتب سيرةً نموذجية عن المرأة الأكمل في أقصر مدةٍ ممكنة حيث ماتت دون العشرين سنة، ولم تترك حجةً للرجال والنساء في الحياة ليكونوا جعجعةً تصم الآذان دون طحين. على كلِّ حال، لا يجوز أن تكون أحداث الرواية في الدنيا مخجلة، حين يطلع عليها الناس نخاف من مسؤوليتها وفضيحتها، وفي الآخرة نطلب الرجوعَ بعد الموت إلى ساحة الدنيا والفرص الضائعة أملًا أن نكتب هذه الرواية من جديد، هي فرصة واحدة لا غير!

أجمل ما في الحياة أن ذاكرة الناس قصيرة قد تسامح ولا تذكر سوى الفصل الأخير من سيرة بعضهم، وأجمل ما في الآخرة أنَّ الله يغفر الذنوب جميعا لعباده الذين ساروا في دروب الخطيئة. فلا يستسلموا لليأس، ولا يبتعدوا كثيرًا عنه لأنه سبحانه وتعالى حتى آخر رمق يلاحق خطايانا ويمحوها إذا ما عدنا إليه.

ونحن لا عارَ ولا شنار أن يضيق على رواية حياتنا بابُ التاريخ، فهي حكاية أغلب الناس، لكن أن يتخلى عنَّا الله وتتسع نفاياتُ التاريخ لرواية حياتنا، فهذا من عجزنا وقلة حيلتنا.

مستشار أعلى هندسة بترول