آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

أسباب صعود حركات الإسلام السياسي لسدة الحكم «1»

محمد الشيوخ *

يقصد بالحركات السياسية الاسلامية أو ما يطلق عليه بالإسلام السياسي، هي تلك الجماعات الإسلامية التي تتطلع للحكم ولديها أهداف مشتركة، نابعة من تصورهم الخاص للإسلام والحياة، ومن ثم تحاول تجسيد تلك القيم على الأرض، من خلال أنشطتها المتنوعة، بشتَّى الوسائل والطرق وفق ما هو متاح لها من إمكانات وقدرات، لتكون هي القيم السائدة والحاكمة في المجتمع.

ويقصد بالنفوذ السياسي، هو ذلك التأثير الذي تحدثه تلك الجماعات الإسلامية في محيطها الاجتماعية أو خارجه، بحيث يمكنها من تنفيذ برامجها وخططها للوصول إلى غاياتها واهدافها، ومن بينها الوصول إلى مواقع صناعة القرار والسلطة.

فعملية وصول قوى الإسلام السياسي، لا سيما القوى المحسوبة على حركة الإخوان المسلمين، إلى السلطة سواء في ليبيا أو تونس ومصر، بعد سقوط الأنظمة المستبدة مؤخرا، شكل مفاجئة لمن لا يعرف خارطة القوى السياسية والاجتماعية في معظم البلاد الإسلامية. بينما العارف بتفاصيل المشهد الاجتماعي والديني في البلاد الإسلامية ومدى النفوذ السياسي والاجتماعي للحركات الإسلامية فيها، وكذلك طبيعة الشعارات التي رفعها الاسلاميون اثناء عملية الانتخابات التي جرت في دول الربيع العربي، لم يفاجئ بالنتيجة التي حصدها الاسلام السياسي هناك.

إن وصول الاسلام السياسي لسدة الحكم، عكس في جانب منه مدى النفوذ الواسع التي تتمتع به الحركات الإسلامية في محيطها، الى جانب ما تتمتع به تلك القوى من حالة «براغماتية» أبان الثورات العربية. لذلك فإن عدم وصول تلك الحركات لسدة الحكم، في حال إنها جرت انتخابات حرة ونزيهة ولم يتم، سيكون هو المثير للدهشة والاستغراب، وليس العكس.

الاسباب:

وقبل التعرض إلى الأسباب التي أدت إلى وصول حركات الاسلام السياسي لسدة الحكم، بعد سقوط الانظمة الدكتاتورية، نشير إلى بعض الملاحظات ذات الصلة:

1 - أن عملية توسع النفوذ للإسلام السياسي أو الوصول إلى سدة الحكم لم يأت فجأة، أي انه ليس وليد فعل الثورات العربية التي اندلعت قبل عامين، وإنما هو نتاج عمل تراكمي سابق، وبالتالي فان عملية الوصول إلى السلطة هو تتويج لذلك العمل النضالي الطويل، كما انه ترجمة حقيقية لمستوى النفوذ الذي تتمتع به تلك الحركات في الوسط الاجتماعي.

2 - أنشطة وبرامج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، تعتبر الرافعة الأساس لها، كما أنها تعطي فكرة عن مدى قوة وفاعلية وديناميكية تلك الحركات في بيئاتها، مع الاقرار بأن لكل حركة خصوصياتها الخاصة وأنشطتها التي تتباين مع بقية أنشطة سائر الحركات الأخرى.

3 - لقد سعت قوى الإسلام السياسي جاهدة لتوفير الأسباب الموضوعية الكافية لصعودها إلى سدة الحكم في البلدان العربية التي أجريت فيها لأول مرة انتخابات حرة ونزيهة، بعد الاطاحة بالانظمة هناك، وتوج ذلك السعي بالفوز الكاسح على مختلف القوى الاجتماعية والسياسية، في الاستحقاق الانتخابي.

4 - هناك العديد من الأسباب التي ساهمت في وصول حركات الاسلام السياسي لسدة الحكم، في كل من مصر وتونس. لكن سيتم الاكتفاء هنا بالتركيز قدر الامكان، على الأسباب المشتركة التي ادت الى اتساع نفوذ الحركات الاسلامية في مجتمعاتها اولا، مما سهل من عملية وصولها الى سدة الحكم أبان الثورات العربية لاحقا.

ويمكن تلخيص ابرز الاسباب فيما يلي:

1 - انسجام خطاب الاسلام السياسي مع البيئة الاجتماعية:

بما أن البيئات التي تولدت منها الحركات الإسلامية هي بيئات إسلامية في الاساس، وبما أن الدين يمثل عاملا محوريا ومؤثرا في المجتمعات الاسلامية، لذلك سعت حركات الاسلام السياسي منذ نشوئها الى توظيف الدين لخدمة تطلعاتها، كما تبنت خطابا متسقا مع البيئات التي نشأت فيها وليس مغايرا أو صادما لها، ومن ثم أصبح خطابها ينسجم مع ما يتطلع إليه الإنسان المسلم في بيئته الاجتماعية. وكان لهذا الدور أثرا بالغا في اتساع نفوذ حركات اسلام السياسي في مختلف الساحات الاسلامية. وهي على عكس العديد من الحركات غير الدينية التي تبنت خطابا صداميا مع قناعات المجتمع خصوصا الدينية منها، فأصبحت مرفوضة ومنبوذة ومقاطعة ومعزولة اجتماعيا.

ولا يختلف حال العديد من الحركات اللادينية، بحسب كثيرين، عن تلك الأنظمة السياسية الحاكمة التي فرضت بعض القوانين والانظمة المعاكسة لقناعات الشعوب العربية والإسلامية والمضادة أحيانا لتوجهاتها الدينية، الأمر الذي أحدث اضطرابا وصراعا داخليا بين الشعوب والأنظمة الحاكمة. شكلت هذه الثغرة فرصة ثمينة لحركات الإسلام السياسي التي رفعت شعارات«تطبيق الشريعة» و«الاسلام هو الحل» في بلدانها، لتطرح نفسها كبديل افضل عن الانظمة «العلمانية» بحسب وصف الاسلامين لها، فلاقت القبول الاجتماعي الواسع في محيطها.

زد على ذلك فأن حركات الإسلام السياسي في مختلف الساحات الاسلامية تبنت في شعاراتها حمل لواء الدفاع عن كرامة الأمة ليس لأغراض تكتيكية أو أهداف فئوية أو شخصية ضيقة، بحسب شعاراتها، ودفعت ثمن موقفها هذا، وجادت بأرواح خيرة أبنائها في سبيل الدفاع عن الحقوق، فحازت بسبب ذلك على مصداقية عالية من شرائح المجتمع، فكانت بذلك العنوان الحقيقي والممثل الأمين لكرامة الأمة.

بينما كان خصوم الحركة ومناوئيها السياسيون كانوا يقدمون في كل صباح تنازلات جديدة، ويتسابقون للتعاون مع العدو لضربها، وينشرون الإحباط والتثبيط عن المواجهة، بل وفتحوا باب إبعاد الفلسطينيين من وطنهم على مصراعيه، فما كان من الشعوب إلا أن لفظت هؤلاء الخصوم وتشبثت بعنوان الكرامة.

ثم إن خطاب الحركات الإسلامية كان منسجما مع القيم والأخلاق الاسلامية، في الوقت الذي كان خصومها غارقون في الفساد، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ولقد صبرت تلك الحركات على كل أشكال الظلم والقهر التي لم يتردد خصومها في الداخل والخارج من ممارستها ضدها.

فصمودها أمام هذه الاعتداءات المتكررة أضاف إلى رصيدها الاجتماعي الشيء الكبير. وتجدر الإشارة إلى أن الحركات الإسلامية استغلت بشكل جيد اقوي المنابر تأثيرا في المجتمع كالمساجد والمدارس وأدوات الإعلام لتمرير أفكارها ومشاريعها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية. وقد لعب هذا الجانب دورا مهما في هذا السياق.

2 - مناهضتها للاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي:

لقد قاومت الحركات الإسلامية الأنظمة المستبدة الحاكمة، ودفعت الثمن المقابل لهذه المقامة المتمثل في اعتقال وتعذيب ونفي أفرادها، ولم تكتف بمقاومة الاستبداد الخالي، فهي كانت على الدوام أيضا تقاوم كل أشكال الاحتلال والاستعمار والوصاية الخارجية، مما جعلها مظلة للدفاع عن الأمة وكرامتها ورافعة أساسية لنيل حقوقها وحريتها.

وليس من المبالغة القول بان كل الحركات الإسلامية في العالم العربي التي خاضت معاركا حقيقية مع الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي حظيت بشرعية شعبية كبيرة، الأمر الذي أدى إلى توسع نفوذها الاجتماعي والسياسي. وفي المقابل، فأن فساد الأنظمة وعدم نزاهتها وإفلاسها من البرامج السياسية والاقتصادية، هو الآخر ساهم في دفع المواطنين للتوجه إلى الجماعات الإسلامية بحثاً عن مخرج من هذا الانسداد، مما ساهم في رفع أسهم ورصيد الحركات الإسلامية في مجتمعاتها.

ومما لا شك فيه فأن الحركات الاسلامية تتمتع بقوة شعبية حقيقية واسعة متمثلة في قاعدتها الجماهير العريضة العابرة للحدود، والتي تعبر عن قناعتها ومواقفها في مختلف الظروف الحرجة والاوقات الحاسمة. ففي مصر مثلا، حدث صدام بين متمثلين بالإخوان المسلمين، مع الجمهوريين المصريين، بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ما أدى في النهاية إلى تعاطفٌ الرأي العام العربي معهم، بعد ما أصابهم التنكيل والاضطهاد والتشريد والقتل، على أيدي الجمهوريين الدكتاتوريين، في أنحاء متفرقة من العالم العربي.

فقد تمَّ شنق قيادات الإخوان المسلمين بالجملة على يد الجمهوريين في العام 1955. كما تم شنق سيّد قُطب في العام 1966، وشنق صالح سرية في العام 1974، وشنق شكري مصطفى في العام 1977، وشنق محمد عبد السلام فرج زعيم تنظيم «الجهاد»، وكذلك قتل الآلاف من الإخوان المسلمين في سوريا، في حوادث حلب وحماة في العام 1982.

وكان لافتا أن الحركات الإسلامية قد استفادت - بدون بذل الكثير من الجهد في الدعاية لنفسها والانتشار - من صدام الأنظمة الحاكمة والحروب التي شنتها القوى الغربية الكبرى على الإسلام ودوله ومؤسساته وأراضيه وثرواته في مختلف بلدان العالم، كما استفادت من الأنظمة العلمانية المدعومة من الغرب التي تسلطت على شعوبها طيلة سنوات ما بعد الاستعمار الغربي. فمن جهة كانت حملات التطهير العرقي في البلقان، وما مورس ضد المسلمين في الشيشان ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وما مارسته وتمارسه إسرائيل من انتهاكات وجرائم في فلسطين، وما ارتكبته أمريكا في أفغانستان والعراق والصومال وباكستان، وكذلك موجات العداء الغربي والتطاول السافر على مقدسات ورموز الإسلام في وسائل الإعلام والصحف والمجلات الغربية.

كل ذلك أدى إلى غضب جماهيري مضاد، وإلى فوران الحمية الإسلامية، وإلى شعور متنامٍ بالانتماء الإسلامي، وضرورة التمسك بالثوابت والتشبث بالأصول والثقافة والمعاملات الإسلامية - وحتى المظهر الإسلامي - شكلاً من أشكال الدفاع عن الهوية المستهدفة. ومن جهة أخرى، ظل فساد الأنظمة الحاكمة الديكتاتورية الفاسدة المدعومة من أمريكا والغرب عائقًا أمام الإصلاح والتغيير الذي تنشده الشعوب. وكانت هذه الحركات هي الجبهة المقاومة لهذا التحدي، مما ساهم في رفع رصيدها لأنه كان ولازال ينظر لها على أنها تمثل الجبهة المدافعة عن هوية الأمة من مختلف الأخطار المحدقة.

وكان لدعوات التغريب في المجتمعات الإسلامية، أثر كبير في انتشار الإسلام السياسي، ففي السبعينات وتحديدا في عهد عبد الناصر، والسادات، وحافظ الأسد، زادت حركة التغريب، وكان عبد الناصر يحمل إعجاباً دفيناً بالنموذج الغربي. إجمالا، فان شعور المسلمين بوجود استهداف لهويتهم الإسلامية خلق نوعا من التحدي وشد العصبية. وهذا الشعور بحد ذاته ساهم في تنامي الحركات الإسلامية. ففي الوقت الذي كان فيه الشعور الديني يزداد قوةً، بفعل عوامل متعددة، اصطدم هذا الشعور بما نراه من تسارع الاتجاه نحو التغريب، الذي يؤذي الشعور الديني، ويتحداه. فكان الموقف السياسي الليبرالي العربي تجاه الغرب، يتسمُ بالإعجاب والكراهية في الوقت نفسه: الإعجاب بالتقدم الحضاري، والكراهية للاستعمار. في المقابل فان معظم الحركات الإسلامية آنذاك كانت متوجسة من اتجاهات التغريب في العالم العربي.

باحث في علم الاجتماع السياسي