آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

أسباب وصول حركات الإسلام السياسي لسدة الحكم «2»

محمد الشيوخ *

3 - الاتكاء على أرضية الدين والعمل التطوعي الإنساني

السمة الأساسية للمجتمعات الإسلامية هي التدين، وان الدين كان ولازال يمثل عاملا أساسيا ومؤثرا في الناس. الحركات الإسلامية هي انعكاس وتجسيد للتدين، لذلك هي متكيفة معه في عملها ومشروعاتها وخطاباتها. وقد شكل الدين للحركات الإسلامية عاملا مهما للتحشيد والتأثير، خصوصا من خلال العمل الدعوي والتطوعي عبر المساجد والمواقع العبادية الأخرى. أن نفوذ الحركات الإسلامية في ساحاتها الاجتماعية، وقدرتها على التمدد والتوسع، يأتي من بوابة الدين أولا، والخدمات المقدمة للمجتمع ثانيا.

فمن خلال البوابة العريضة للعمل الاجتماعي والخيري والتطوعي، استطاعت الجماعات الإسلامية تحفيز وتنظيم المجتمعً، وبأداء رائع منظم يتسم بالانضباط والمتابعة والنفس الطويل وعدم الملل أو الكلل، كما يتسم بالابتكار والإبداع وجودة الإخراج، والعرض بأسلوب شائق وجذاب لقطاع واسع من شرائح المجتمع، خصوصاً بين الشباب والفئات المحتاجة، وفوق كل ذلك ما يظهره المنتمون إلى الجماعات الإسلامية من نظافة يد ونزاهة في التعاملات، ما مكنهم من الوصول إلى ما وصلوا إليه في عدد من الدول.

وهناك نماذج عصرية تقدم مقاربة حقيقية للطريقة التي تتشكل بها الحركات الإسلامية، في كل من مصر والأردن وفلسطين، حيث أصبحت الجماعات الإسلامية قوى مؤثرة وضاغطة على سياسات الحكومات في تلك الدول، وقد وصل بعضها إلى سدة الحكم كما هي الحال مع حماس قبل ربيع الثورات العربية، والاخوان [1]  في مصر، والنهضة [2]  في تونس، بعد سقوط بن علي ومبارك.

وقد قدم المحامي منتصر الزيات صورة من الداخل لكيفية تمكن الجماعات الإسلامية من التغلغل في المجتمع المصري، عبر بوابة العمل الاجتماعي التطوعي الخيري، ويشكل كتابه «الجماعات الإسلامية... رؤية من الداخل» منجما مهما للباحث في الجماعات الإسلامية وأساليبها المبتكرة للتأثير في المجتمع، إذ يشرح القدرات التواصلية الهائلة التي تتوافر لهذه الجماعات للتواصل مع بسطاء الناس، وأساليبها في جمع التبرعات وتقديم المساعدات للفقراء، وإنشاء محال البيع المخفضة وتقديم البازارات الاجتماعية للبضائع الأساسية التي تحتاجها الأسر الفقيرة، وإعطاء دروس مجانية لأبناء الفقراء، وكل ذلك في منظومة متكاملة توضح كيف تمكنت تلك الجماعات من السيطرة على النشاط الاجتماعي في المجتمع المصري.

كما يقدم الكاتب بسام بدارين قراءة مفصلة في «إمبراطورية النفوذ الاجتماعي» للحركة الإسلامية في الأردن، وكيف تمكنت هذه الجماعات من إدارة قرابة ألف مسجد، وتعاملت باستثمارات تجاوزت مئات الملايين من الدينارات الأردنية، والإشراف المباشر أو المستتر على500 جمعية خيرية في البلاد. ويقدم الكاتب صورة دقيقة لتغلغل الجماعات الإسلامية في النسيج الاجتماعي الأردني، ويعطي مثلا كيف عينت المجالس البلدية الإسلامية مراقبين حكوميين على المحال التجارية يجرون، باحترام شديد، تفتيشهم الصحي ويتأكدون من سلامة البضائع من دون ان يطلبوا شيئاَ من الباعة ولا يحررون المخالفات بقصد الحصول على رشوة، فيما كان المراقب البلدي في السابق ينغص على هؤلاء الباعة البسطاء حياتهم، إذ يضطرون إلى إعطائه كميات من بضائعهم تجنباً لتحرير المخالفات بحقهم.

ونالت الجماعات الإسلامية بعملها الاجتماعي والخيري الإعجاب الشعبي الكبير من الرعاية الاجتماعية وتأسيس اللجان والجمعيات الخيرية في البلاد الداعمة للفقراء والبسطاء والمحرومين. فالناشطون الاجتماعيون من هذه الجماعات على تماس مباشر بالسواد الأعظم من الناس، وبغالبية الفقراء، ويعرفهم الناس أكثر من الساسة وموظفي الدولة، وأكثر من منظري السياسة ورواد الصالونات الأدبية والاجتماعية والسياسية. والمفارقة ان الجماعات الإسلامية تتقصد - باحتراف - عدم تسليط الأضواء على نشاطاتها الاجتماعية الممتدة في المجتمع، والتي تنافس فيها، وبجدارة، المؤسسات الاجتماعية للدولة. فهذه النشاطات تنظم من دون ضجيج، بل ان بعضهم يعتقد ان هذه الجماعات نجحت في التمويه على نشاطاتها الاجتماعية والخيرية عبر تسليط الأضواء بين حين وآخر على نشاطاتها ذات الطابع السياسي التي انشغلت بها الصحافة والحكومة، فيما تجري ترتيبات أكثر عمقاً على المستوى الجماهيري والاجتماعي والخيري لبناء إمبراطوريتها وتوسيع نفوذها.

ووفقاً للكاتب بسام، مولت الجماعات الإسلامية بناء زهاء ألف مسجد من بين2500 مسجد مرخصة من وزارة الأوقاف الأردنية، معظمها بتبرعات أهلية شاركت فيها الجماعات الإسلامية. كما تسيطر اللجان التنظيمية لهذه الجماعات على نشاطات الوعظ والإرشاد، وعلى جمعيات تحفيظ القرآن، وعلى الخطابة في معظم المساجد.

وتدير الجماعات الإسلامية، بنفسها وبكفاءة عالية، استثماراتها التجارية وإمبراطوريتها المالية مستخدمة التعاملات الشرعية التي تقدمها بنوك إسلامية. وتدير العمل الاجتماعي والخيري الإسلامية جمعية خيرية عملاقة تقدر أصولها المالية وعملياتها الاستثمارية بـ 100 مليون دينار أردني «150 مليون دولار». وتدير هذا الجمعية الخيرية أعمالها على أسس تجارية واستثمارية بحتة، وتنفق على نشاطاتها من عوائد استثمارات ضخمة في المجالات الصحية والتعليمية، وتوفر التعليم لعشرات الآلاف من التلاميذ المتفوقين من أبناء الطبقة الفقيرة والمحتاجة. وتدير نشاطات اجتماعية وخيرية خاصة في مجال كفالة الأيتام، وفي شؤون الزواج وتنظم حفلات زواج جماعي.

يتضح من استعراض تجربة الجماعات الإسلامية سواء في مصر والأردن وفلسطين مدى تأثيرها في المشهد السياسي وقدراتها على التغلغل في بنية المجتمعات العربية والإسلامية، ليس بالضرورة عبر البوابة السياسية، اي عن طريق الانتخابات، أو عبر البوابة الثقافية من خلال الكتب والمحاضرات والندوات، أو عبر البوابة الإعلامية من خلال الصحف والبرامج الإذاعية أو ألتلفاز، أو عبر البوابة التعليمية من خلال المناهج والمعلمين، فحسب، وإنما عبر التغلغل العميق في المجتمع من خلال الاتكاء على أرضية الدين، وخدمة الناس، سيما الفقراء. وهو احد اهم الاسباب الذي ساهم بلا شك في تعميق صلة الناس بالحركات الإسلامية والثقة بها وتوسيع نفوذها وترسيخ شعبيتها، ومن ثم إيصالها لسدة الحكم عبر صناديق الانتخابات، بعد سقوط الانظمة في دول الربيع العربي.

4 - استبداد الأنظمة العربية وفسادها

في الوقت الذي تتمتع الانظمة العربية بمزيد من القوة الفائضة احيانا على صعيد أجهزتها الامنية والعسكرية والمخابراتية، هي ضعيفة إلى حد الهشاشة على الصعيد الشعبي، بل أن شرعيتها المنقوصة مهزوزة ومهترئة أيضا، وذلك بسبب إيغالها في الفساد بمختلف اشكاله الى جانب احتكارها للسلطة والثروة، وإقصائها للشعب عن المشاركة، في حين انه مصدر الشرعية والسلطة.

عدم مشاركة الشعب في ادارة الدولة، الذي يعني انفراد النخبة الحاكمة بالسلطة، هو مصدر ضعف الانظمة العربية جميعها، وهو الأمر الذي يقوض شرعيتها، خصوصا اذا ترافق معه الامعان في الفساد والافساد، كما هو حال معظم الانظمة. لذلك فأن ضعف الأنظمة وعدم مقدرتها على تلبية حاجات المجتمع وإشباعها، إلى جانب فسادها واستئثارها بالسلطة والثرورة، ساهما بشكل كبير في نفور واشمئزاز المجتمع منها. وكانت الحركات الإسلامية، التي طرحت نفسها كبديل واقعي عن الأنظمة القائمة، حتى وان لم تصرح هي بذلك، كانت هي الرابح الأول من تلك السياسات الفاشلة.

ومما لا شك فيه أن تحقيق الجماعات الإسلامية في دول عربية مختلفـة، فيما مضى، لنتائج مفاجئة في الانتخابات التشريعية والبلديـة، وفي انتخابات النقابات المهنية والعمالية، كان له الأثر الكبير في ارتفاع أسهم الإسلام السياسي في الشارع العربي. ولقد تم ذلك في ظل وجود أنظمة سياسية عَلْمانية عربية هشّة وفاسدة، لم تستطيع من خلال سياساتها الفاشلة أن تحقق الحد الادنى من غايات وتطلعات شعوبها، التي اكتوت بنار الفقر والبطالة والحرمان وسوء الاحوال المعيشية، في الوقت الذي كانت فيه الطبقة الحاكمة تتمتع بالثروات الوطنية وتتلاعب بها.

لم تكتف الانظمة العربية بحالة البدخ وممارسة سياسية التجويع لشعوبها، بل دخلت في صدام مباشرة مع القوى الاسلامية، وزجت ببعض أعضائها في السجون، أو تمَّ طردهم من الحلبة السياسية، أو نفيهم خارج الوطن. السياسات الفاسدة لم تورث الفشل في التنمية والنهوض في الاوطان، وانما خلفت كرها ونفورا شعبيين حيال تلك الانظمة الحاكمة. في مقابل ذلك، تبنت معظم الحركات الاسلامية في الاوطان العربية أسلوب المواجهة المباشرة لتلك الساسيات والانظمة الفاسدة، فقوبلت باحتضان شعبي والتفاف جماهيري واسع. وقد أفسحت تلك السياسة المجال أمام الجماعات الإسلامية، لكي تملأ الفراغ في المجتمع وتحوز بثقته.

ولقد خلفت السياسات الفاسدة للانظمة ازمات خانقة ادت الى انتفاضات في أنحاء متفرقـة من العالم العربي. فكانت أولى هذه الانتفاضات في مصر في العام 1977، ثم في السودان في العام 1982، ثم في تونس والمغـرب في العام 1984، ثم في الأردن في العام 1989. وبموجب إحصائيـات العام 1993 بلغت نسبة الأسر العربية التي تعيش تحت خـط الفقر34 بالمائة. وترتفع هذه النسبة في بعض الدولة العربية إلى ستين بالمائة. وأن جُلَّ سكان العالم العربي - باستثناء دول النفط - لا يحصلون إلا على دولار أو اثنين في اليوم، وهو الحد الأدنى لكفـاف الإنسان، حسب مقاييس البنك الدولي.

وكان الجواب عن كل هذه الانتفاضات وتلك الأزمات، أن الحل في الإسلام، وفي التكافل الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي. مما دفع بعض الجماعات الإسلامية إلى إنشاء شركات توظيف الأموال الإسلامية في مصر على وجه الخصوص، ودعم إنشاء البنوك الإسلامية، في أنحاء متفرقة من العـالم العربي، كبديل إسلامي عن الاقتصاد الاشتراكي، الذي خرّب البيت العربي، كما قالت أدبيات الجماعات الإسلامية في ذلك الوقت.

أن بروز وصعود الإسلام السياسي، ناشئ في الأساس من أرضية الفقر والحرمان والاضطهاد، ويرجع الامين العام لمؤسسة الفكر العربي عبد المنعم أسباب صعود تيار الاسلام السياسي إلى عوامل ثلاثة تتمثل في1/ تفاقم الاوضاع المجتمعية. 2/ تفشي الفساد. 3/ قمع الانظمة للاسلاميين [3] .

وعليه، فإن ولادة معظم الحركات الإسلامية وزيادة شعبيتها، هو رد فعل على سياسات الانظمة الحاكمة الاقصائية ونتيجة طبيعية لفسادها. فسياسات الانظمة الحاكمة، هي التي خلفت اوضاعا سيئة، وهيأت الفرصة الملائمة لتقدم الحركات الاسلامية نفسها كبديل عنها، ما جعل المواطن العربي ينظر إليها بوصفها «خشبة» الخلاص من الواقع الموبوء. وقد ترجم ذلك فعلا، اثناء الانتخابات التي حدثت أبان الثورات العربية، حيث تم منحها غالبية الاصوات اثناء عملية الانتخابات التي تمت في دول الربيع العربي.


[1]  حركة الإخوان في مصر، وهي أول جماعة إسلامية تكونت في العـالم العربي عام 1928.
[2]  حركة النهضة في تونس، وهي حركة اخوانية أيضا تأسست عام 1972 وأعلنت رسميا على نفسها في 6 جوان 1981ولم يتم الاعتراف به كحزب سياسي في تونس إلا في1 مارس 2011 من قبل حكومة محمد الغنوشي.
[3]  عبد المنعم، سليمان«أسباب صعود تيار الإسلام السياسي بعد الربيع العربي»، 2012،
http://www.noqta.info/page-47189-ar.html
باحث في علم الاجتماع السياسي