آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 2:08 ص

غفوة ضمير

سعيد الميداني

صحوت من النوم على وقع صوت جرس البيت وهو يرنّ بشدّة فخرجت لأتحرّى من الطارق، فإذا بولد الجيران قابع خلف مقود سيارته.. لم استوعب زيارته لي في مثل هذا التوقيت خصوصاً أنه قطع التحدث معي منذ خمسة عشر سنة إثر شكوى عليه بلغتها لوالده عندما رمى جدار منزلي بعلبة زجاجية تفرقت شظاياها على كامل حرم بيتي! الغريب أنه مجرد أن رآني نزل فوراً من سيارته وبادرنيب الاعتذار وبدون مقدمات، فقلت له على رسلك واخبرني بهدوء عن سبب هذا الاعتذار الغريب في هذا الوقت المتأخر؛ ففتح لي ملف قديم يتعلق بسيارتي التي تعرضت وقتها - أي وقت الشكوى - الىشماميخ «خدوش» من الدرجة الأولى في معظم أجزاءها من الصدّام إلى الصدّام ولم يترك لي الفاعل مكاناً أفرح به خصوصاً وأن السيارة ما تزال حديثة الولادة للتو تخرج من غرفة الوكالة!

ولأنني لا أملك دليلاً مادياً ضدّ الفاعل ولا حتى ساورني الشك بأحد معيّن فقد طويت ذلك الموضوع حينها ونسيته وتركت الأمر لله إلاّ أن الخدوش الأشبه بأدغال أفريقيا لم يكن من السهل عليّ نسيانها فكنت التقي بها كل يوم أقود فيها سيارتي، لذلك كان لزاماً أن آخذ السيارة للورشة لإجراء عملية تجميل سريعة حيث نصحني عامل السمكرة أن أتركها على حالها القبيح لإنها على حد قوله شد وكالة وحرام إدخال أي صبغة مركّبة على صبغة المصنع وطبعاً كان صعباً عليّ أن أتقبّل رأيه رغم صوابه لإن شكل الشماميخ الشجري الكارثي لا يمكن السكوت عنها لأنها مع مرور الزمن سينالها حتماً الصدأ والتآكل، لذلك قررت سمكرتها وكلّفني ذلك طبعاً همّا مادياً إضافياً آخر.

للأسف انتظر جاري طويلاً ليشعر بفداحة جريمته وفور استيقاظ ضميره النائم جاء سريعاً ليطرق عليّ باب الاعتذار وينبش ذكرى دفنتها مع النسيان، ولكنني لم أرضى هذه المرة بتجرّع الألم مرتين فقلت له بجرأة: تو الناس لسه الوقت بدري! ردّ بخجل مطأطأ رأسه وعينيه للأرض: ضميري يجلدني ويؤلمني كلّما تذكرت ما فعلته بسيارتك، قلت له: وأنا من يعالج وجعي وحسرتي على سيارتي التي أصبحت كمريض الجدري شفي ولكن الندوب والآثار لا تزال عليه.. قال لي ببرود: المسامح كريم ووضع مبلغاً من المال في قبضة يدي وقال لي هذا تعويض مقابل التلفيات وأن أردت أكثر فلا مانع من مضاعفته لك! أعدت المال إليه وأنا أبتسم بغيظ وحرقة وقلت له: خذ فلوسك وتوكل على الله فأنا حقّي وكّلته إلى الله منذ خمسة عشر عام فابحث عنه في قلبك لعل ضميرك يهديك إليه!

خلاصة ما في القول إنه لا جدوى من إنشاء سور عظيم يحمي قلعتك دون إعداد جنود متمكنين على مستوى عال من الوعي واليقظة والانتباه قادرون على مراقبة كل ما يهدد دولتك وحصنك العتيد، وهذاماحدث بالفعل مع سور الصين العظيم إذ أنهم بنوا أعظم سور في العالم ولكنهم غفلوا عن أهمية بناءالجنود المكلفين بالحراسة بالشكل الصحيح فكانوا ممراً سهلاً لمهاجمة وتسلل العدو، ولهذا يعتبرالضمير هو الجندي الحكيم وخط المناعة الأول المتمكن من رصد وضبط ومراقبة أقوالك وسلوكك وتصرفاتك وقراراتك وأعمالك ومجرد انخفاض مستواه سيفتح ثغرة لولوج الفيروسات والميكروبات لتهددصحة وعقل وحياة الإنسان.

لذلك نحتاج دائماً إلى إخضاع ضميرنا بين وقت وآخر إلى عملية استفاقة وصحوة وتذكير ومحاسبة حتى لا يغفوا وهذا بدوره يساعد كثيراً في توضيح الرؤية وتصحيح مسار الخريطة مبكراً قبل استفحال النتائج واتساع رقعة المشكلة كما حدث تماماً مع ولد الجيران في الحكاية التي سردتها لكم حيث يقظة وصحوة الضمير جاءت متأخرة جداً وهي طبعاً خير من أن لا تصل ولكن بعد ماذا «بعد خراب مالطا» فليس كل تأخيره فيها خيرة أحياناً.