آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 3:45 ص

تَكوَّروا تنجحوا «1»

بدر شبيب الشبيب *

حديثي ليس عن الكرة كما قد يشي بذلك العنوان، لأن حالتنا الكروية في ظني ميؤوس منها، أو كما يقول المثل الشعبي: «فالج لا تعالج». والفالج - لمن لا يعلم - شلل يصيب أحد شِقَّي الجسم طولاً.

حديثي عن كوريا الجنوبية أو ما بات يعرف باسم «معجزة نهر الهان» الذي يجري في سيؤول العاصمة. ويستحضر هذا الاسم تجربة ألمانيا الغربية بعد الحرب العامية الثانية التي عرفت ب «معجزة نهر الراين»، فما هي معجزة كوريا الجنوبية البلد الفقير في موارده الطبيعية، الصغير المساحة «99، 392 كم مربع»، ذي الكثافة السكانية المرتفعة «50 مليون نسمة تقريبا»؟

هنا نضع بعض المؤشرات الرئيسية كحقائق وأرقام تمكننا من فهم معجزة نهر الهان:

1 - تضاعف نصيب دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تضاعفا كبيرا في فترة قياسية، حيث ارتفع من 87 دولارا تقريبا في العام 1962 م إلى 20759 دولارا في العام 2010 م «أي خلال أربعة عقود». بينما لم تتمكن الولايات المتحدة من مضاعفة نصيب دخل الفرد عشر مرات إلا في فترة طويلة استغرقت 130 عاما من 1870 إلى عام 2000 م.

2 - رافق ارتفاع دخل الفرد في كوريا الجنوبية مؤشرات إيجابية أخرى، صحية واجتماعية، حيث ارتفع متوسط العمر المتوقع من 54 سنة إلى 73 سنة، وانخفض معدل وفيات الرضع من 8% إلى 0، 08% وتقلصت أعداد الفقراء بشكل كبير جدا.

3 - في العام 2010 بلغ الناتج المحلي الإجمالي 1014مليار دولار، وبلغ الفائض في الميزان التجاري 48، 4 مليار دولار، واحتياطيات الدولة من العملات الأجنبية 305 مليار دولار.

4 - بلغ معدل النمو في العام 2010 م رقما قياسيا هو 6، 2

5 - أصبحت كوريا الدولة السابعة في العالم على مستوى التصدير في العام 2010.

6 - نافس الاقتصاد الكوري الاقتصاديات الكبرى في العالم واحتل الرقم 15 بينها.

7 - استضافت كوريا الجنوبية اجتماع قمة مجموعة العشرين G20 في العام 2010 والتي تضم الدول المتقدمة اقتصاديا.

8 - أصبحت كوريا المنتج الرئيسي في العالم لشاشات العرض وأشباه الموصلات «memory semiconductors»

9 - واحتلت المركز الثاني في العالم في بناء وصناعة السفن العملاقة المدنية والعسكرية وناقلات النفط والجنود، وتستحوذ على 34% من حصة السوق العالمية. بل إن شركة هيونداي لصناعة السفن هي الشركة الأولى في هذه الصناعة عالميا، حيث تخرج من مصانعها سفينة واحدة كل أربعة أيام. ويعمل بها 30 ألف مهندس وفني وعامل، ودخلها السنوي 26 بليون دولار.

10 - تنتج كوريا الجنوبية أكثر من 4، 2 مليون سيارة سنويا.

11 - تعتبر شركة إل جي LG ثاني أكبر منتج للثلاجات في العالم بعد شركة ويرلبول الأمريكية.

12 - جاء في تقرير أصدرته شركة «كومسكور» الأمريكية للأبحاث والإحصائيات، أن شركة سامسونغ «الكورية» سيطرت على ما نسبته 25، 6 في المائة من سوق الهواتف المتنقلة بالولايات المتحدة الأمريكية مقارنة مع 16، 3 في المائة حصة شركة أبل التي جاءت خلف حصة شركة «إل جي» «الكورية» التي بلغت 18، 4 في المائة. وبين التقرير أن هذه الأرقام تغطي الفترة ما بين مايو/ أيار 2012 ويوليو/ تموز من العام ذاته.

المؤشرات وحدها لا تكفي لفهم ما حدث، إذ لا بد من قراءة الماضي لاستيعاب الحاضر. لا نريد أن نعود للماضي البعيد جدا، بل يكفي أن نعلم أن كوريا سقطت تحت الاحتلال الياباني من 1910 - 1945. وبعد الحرب العالمية وانقسام كوريا إلى شمالية وجنوبية، وقعت الحرب بين الكوريتين التي استمرت ثلاث سنوات وانتهت عام 1953 بعد أن أحرقت الأخضر واليابس وجعلت كوريا في مصاف أفقر الدول في أفريقيا، حيث اضطرت النساء الكوريات إلى بيع شعرهن باروكات للأغنياء في الدول الأخرى. وبعد حقبة من الحكم الديكتاتوري استمرت حتى العام 1961 وزادت الأمور سوءا، مما أدى إلى وقوع اضطرابات في صفوف الشعب، استلم الجنرال «بارك تشونج هي Park Chung - hee» السلطة في انقلاب عسكري، وحكم كوريا من 1961 حتى 1979 م. فماذا فعل حتى أحدث النقلة الكورية العجيبة، وما هي العوامل التي ساهمت في تحقيق المعجزة الكورية وانتقال الدولة من خط الفقر إلى التنمية الرائدة، ومن الاستبداد للديمقراطية؟

ذلك ما سنتركه للحديث القادم.