آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

معوقات مشروع النهضة العربية

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

الأزمة البنيوية «المركبة» الممتدة والعميقة تشمل الواقع «أنظمة ومجتمعات عربية» والبديل أو البدائل في الآن معا. وهي ليست وقفا على مشروع أو رؤية أو تصور معين، إذ تتساوى في ذلك المشاريع الليبرالية والقومية والاشتراكية والمحافظة والإسلاموية على حد سواء، وهذه المشاريع معنية بإعادة التقييم والتقويم والتحليل والنقد، وتدقيق المفاهيم، وقراءة الواقع وفهمه، ليس من منطلق التضاد والخصومة والاحتراب الذي ساد بينهم على مدى عقود، وأدى إلى نتائج وكوارث مفجعة، لا نزال نعيش تداعياتها حتى الآن. نحن بحاجة إلى مقاربة جديدة للواقع في ظل الحراك الشعبي غير المسبوق، وللمستجدات النوعية في الواقع العربي منذ مطلع العام 2011.

وبالتالي، ضرورة تحديد رؤيا وبرنامج عمل، يشكل رافعة لانتشال الواقع العربي من حالة التردي والضياع والإحباط الذي يسوده. من المهم تحديد العوامل الموضوعية والذاتية «الداخلية» وكذلك معرفة العوامل الخارجية لأسباب فشل المشروع النهضوي الأول، والتي من بينها ضعف وتخلف وتشوه البني الاقتصادية والاجتماعية، وغياب العلاقات الإنتاجية والاجتماعية «الأفقية» الحديثة، التي تشكل البنية التحتية لأي تغير وتطور. بنية المجتمع العربي الذي لا تزال تسوده العلاقات الأبوية، وعلاقات إنتاجية واجتماعية متخلفة، ظل عاملا معرقلا للتغير الاجتماعي.

وهناك عامل مهم آخر يتمثل في تعثر مشروع الإصلاح الديني في غرس مفاهيمه في تربة اجتماعية متخلفة، تسودها ثقافة دينية شعبية، تتسم بالمشافهة والخرافة والأساطير، وبالتالي فان المجتمعات العربية فشلت في تحقيق الثورة المعرفية والثقافية «التنوير والعقلانية والعلمانية»، وهو ما أنجزته أوربا والغرب عموما، كمقدمة ضرورية لولوجها عصر الإنتاج الحديث، والثورة الصناعية، وبلورة مفهوم «الدولة ــ الأمة» المستند إلى المبادئ الدستورية ــ القانونية، والمتواكب مع نشوء وتبلور منظمات ومؤسسات المجتمع المدني السياسية، الثقافية، المهنية، والاجتماعية.

لقد عجز المشروع النهضوي عن توليد واستنبات نسق من المفاهيم والمقولات الحديثة التي تتجاوز المورث «التقليدي» التاريخ، وتمثل ذلك في الارتكاس عن مشروع الإصلاح والتجديد الديني، واستعادة وترسيخ التقابل والتعارض، أو التلفيق المفتعل ما بين القديم «الأصالة» والجديد «المعاصرة»، الخصوصية والكونية، النقل والعقل، النص والاجتهاد، وذلك من خلال الهروب والانسحاب إلى الماضي، وإسقاطه على الحاضر بصورة تعسفية، أو الهروب إلى الآخر «الغرب» والتماهي معه. يضاف إلى ذلك أن صورة المستعمر الأوروبي كانت الأكثر حضورا لدى الشعوب العربية، الأمر الذي حفز المزاج الشعبي الرافض لا للحالة الاستعمارية فحسب، بل لنظمه وقيمه، خصوصا أن الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت من خلالها البرجوازية والفئات الوسطى في المجتمع العربي، طبعتها بطابع المحافظة والازدواجية والانتقائية.

حيث يعود تشكلها بدرجة رئيسية إلى تأثير العلاقات الرأسمالية الكولونيالية في البلدان العربية الخاضعة للاحتلال والانتداب والمعاهدات الاستعمارية، فهي إذا برجوازية «هجينة» محافظة، تداخلت في تكوينها علاقات وأنماط اقتصادية ــ اجتماعية إقطاعية، وما قبلها من جهة، كما أنها تتسم بكونها تابعة «كمبرادور» للسوق والشركات الرأسمالية الغربية من جهة ثانية، وبالتالي غير معنية «ما عدا استثناءات قليلة» بتمثل الدور التاريخي التقدمي الذي لعبته البرجوازية الأوربية في بلدانها، وهو ما يفسر غياب التنوير وسهولة إجهاض المشروع العربي النهضوي، وإسقاط التجربة الليبرالية العربية الوليدة على يد النخب العسكرية التي طرحت نفسها البديل «المنقذ» في العديد من البلدان العربية.

البروز والصعود اللافت للإسلام الحركي وتصدره للمشهد السياسي، وكذلك انتعاش القوى والمجاميع الأصولية المتشددة هو النتاج الحتمي لإجهاض النهضة وغياب التنوير وفشل الإصلاح الجذري والشامل وفي مستوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما أنه تمظهر حاد للأزمة العميقة والمركبة التي تعيشها النظم والمجتمعات العربية في الآن معا. جل النظم والمجتمعات العربية باتت في عين العاصفة، وإزاء التحديات الحضارية والتنموية بل والوجودية، هي في أمس الحاجة إلى مقاربة جديدة لفكر النهضة في موضوعاته ومفاصله الرئيسية، مع الأخذ بعين الاعتبار المستجدات الموضوعية والذاتية في الواقع العربي والعالم ككل.