آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

أسباب وصول حركات الإسلام السياسي لسدة الحكم «3»

محمد الشيوخ *

يمكن إرجاع ظاهرة صعود الإسلام السياسي في بعض دول الربيع العربي، إلى نوعين من الأسباب، من حيث الأهمية والفاعلية:

أ - الأسباب الثانوية:

5 - الحملة الدعائية المضادة للإخوان

ليس الأنظمة السياسية وحدها هي التي عادت الإخوان المسلمين وأودعت كوادرهم السجون أو نفتهم خارج الوطن، وسعت جاهدة على مدار عقود من الزمن إلى تشويه صورتهم و«شيطنتهم» أمام العالم.

ولقد دخلت التيارات غير الدينية المناوئة لهم على الخط إلى جانب الأنظمة. لكن لم تخض الصراع مع الإسلاميين بذات الأدوات التي استخدمها السلطات ضدهم، كما لم تكن بواعث الصراع هي ذاتها التي كانت تدفع الأنظمة لمواجهة الإسلام السياسي. السبب الأكثر، ترجيحا لصراع الإسلاميين وخصومهم من التيارات غير الدينية والدينية أحيانا، هو التنافس الاجتماعي، أي صراع على النفوذ الاجتماعي، الذي قد يأخذ منحى حادا وصداميا أحيانا.

فعلى مدى عقود من الزمن، وفي معظم الساحات الإسلامية، شنت تلك التيارات المناوئة للإسلام السياسي حملة دعائية مضادة لهم، تحت غطاء العلمانية أو الليبرالية أو اليسار أو القومية، بل وأحيانا تحت غطاء التنوير الإسلامي، الذي كان يرى أن أحد أهم شروط الدخول في «المدنية» هو الخروج من بوتقة الأحزاب الدينية في المجال السياسي، لأن تسييس الإسلام من وجهة نظر هم تقزيم له، في حين أن قيم الإسلام الحقيقية لا تتعارض مع القيم الإنسانية العامة كالحرية والعدالة... الخ [1] .

ومما لاشك فيه فأن التيارات المناوئة للإسلام السياسي وحتى الجماعات المنتمية للإسلام التنويري، التي لا تحظى بقاعدة شعبية واسعة، استفادت من الأجواء التي هيئتها الأنظمة السياسية لهم. لكن تلك الدعاية المضادة، مع أنها كانت مؤدية للإخوان وقد يفوق وجعها وجع إعلام النظام المعادي لهم أضعاف المرات، لم تنال منهم كثيرا، كما أنها أدت إلى مفعول عكسي صب في مصلحتهم أخيرا، وتجلى ذلك في تعاطف بعض الناخبين معهم وقت الاستحقاق.

بيد أن خروج الإسلاميين من خندق المعارضة ووصولهم إلى سدة الحكم، لم ينه حالة الصراع بينهم وخصومهم السياسيين، سواء كانوا من بقايا الأنظمة التي سقطت، أو من بعض التيارات والقوى غير الإسلامية إلى جانب بعض الإسلاميين المتباينين معهم فكريا وسياسيا، خصوصا تلك التي أصبحت اليوم في خندق المعارضة بدول الربيع العربي. بل، ومن المرجح أن تزداد حدة الصراع أكثر مما مضى، وهذا ما بات واضحا اليوم في تونس ومصر، حيث تشهد الساحتان هناك حالة من الصراع الشديد بين الإسلام السياسي وخصومهم من التيارات والقوى الأخرى.

ففي ندوة عن حركات الإسلام السياسي، وضمن فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة في السعودية عام 2013م، وكمؤشر عن طبيعة الصراع الجاري اليوم بين الإسلاميين ومناوئيهم، شن بعض المحسوبين على التيارات غير الدينية هجوماً واسعاً على حركات الإسلام السياسي التي وصلت إلى سدة الحكم في دول الربيع العربي، ووصفوها مرة بعدم النضج، وتارة بالبراغماتية المتسامحة مع الخارج والدول الغربية، وثالثة بالميكافيلية الغاشمة مع بني جلدتها في الداخل.

ورأى الباحث المصري عبد الرحيم علي أنه لا يوجد في مصر الآن - تحت حكم جماعة الإخوان - لا عدالة اجتماعية ولا حكم رشيد، مضيفاً خلال الندوة: «الإخوان وصلوا بالخطأ لأنهم اعتقدوا أن الوصول إلى السُلطة هو البداية، ويريدون أن يكرهوا الناس على عبادة الله أو الإيمان، كما يسعون إلى أخونة النظام، ومع بقائهم80 عاماً بعيداً عن الحكم فإنهم لم يمدوا يدهم إلى الأطياف الأخرى». فيما عرّف عبد الرحيم علي الحركة الإسلامية بأنها حركة سياسية تتخذ الإسلام مرجعاً، وتريد الوصول إلى السلطة في شكل رأسمالي، «مع بقاء فكرتين يحكمان الإسلام السياسي، الأولى الخلافة التي انتهت وكان من المفترض أن تتطور بعد الدول الإمبراطورية، والثانية الشورى التي لا بد من أن تتحول في الدول الحديثة إلى صناديق الاقتراع».

وطالب باحترام تداول السلطة السلمي، مستغرباً من حركة حماس في غزة التي وصلت إلى السلطة عبر الانتخابات، ولم تُجرِ بعدها أي انتخابات، مع ضرورة أن تكون هناك معايير حديثة في بناء دولة إسلامية، وتفتخر على دول العالم بطريقتها، وإلا فإن الدول الدينية ستبقى هي الخيار الآخر، ويبدوا أننا في مصر متجهون إلى الخيار الثاني».

فيما اعترف عميد كلية الشريعة السابق بقطر عبد الحميد الأنصاري، في الندوة التي شهدت تضاؤلاً ملحوظاً في عدد الحضور، بقوله: «نحن الآن في زمن الإسلاميين»، ضارباً مثالاً بالمرشد العام لحركة الإخوان المسلمين الذي كان خائفاً يترقب، فأصبح يدخل القصر الرئاسي الآن معززاً مكرماً.

وأكد الباحث السعودي عبد الله البريدي أن الإسلام السياسي «من أهم العناصر التي تأثرت بحركة الضد أو مع، فمن كانوا معه جعلوه ملائكة والآخرون شياطين». معرفا، الحركة الإسلامية بأنها تدور حول كلمات ثلاث هي الإسلام والسياسة والاستخدام، «ومن هم ضد الفكرة يقولون إن التعريف الصحي هو استخدام الدين للسياسة، ومن معه يقولون إنه استخدام السياسة في الدين». وذكر بأنه «لا بد من التمييز بين الحاكم والمعارض في الحركات الإسلامية، مع عدم وجود تفريق في التنظير»، مشيراً إلى أن إشكال الحراك الإسلام السياسي «أن المقدس والبشري فيهما أصبح مهمازاً في هذا السياق، مع التذكير بأنه توجد فروقات مرجعية بين الطرفين، فالمرجع في الدين مثالي، وفي السياسة المصالح، والدين غير متحزب والسياسة محزبة».

وخلص البريدي إلى نتيجة أنه لا يجب أن تبرز تحولات الإسلام السياسي، «لوجود تحولات علمانية حدثت أيضاً، مع أن أغلب الحركات الإسلامية الموجودة الآن حركات إسلامية مخففة وليست مثقلة وقد يكون تأثير الإعلام المضاد للإسلاميين، وهم في سدة الحكم أكثر من كونهم في خندق المعارضة [2] .

6 - التركيبة السياسية للجماعات الاسلامية

والجماعات في المحافظات إذ أن معظم المحافظات الريفية، ذات الكثافة السكانية الكبيرة، يسيطر عليها جماعات الإسلام السياسي، فالمحافظة الشرقية التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون مثلا، حصدوا جميع مقاعدها، وكذلك السلفيون الذين حصلوا على معظم مقاعد محافظة السويس نظراً لانتشارهم بها بشكل كبير. هذا بخلاف المحافظات الحضرية التي تسيطر عليها القوى الأخرى من التيارات السياسية غير الدينية.

7 - الخبرة في العمل السياسي إلى جانب توافر الدعم المالي

فقوى الإسلام السياسي تمتلك خبرة طويلة من العمل السياسي، فالإخوان في مصر مثلا مارسوا العمل السياسي لأكثر من ثمانية عود من الزمن وذلك على عكس القوى المدنية، التي تعتبر حديثة بعض الشيء وبالتالي هي تفتقر إلى الخبرة الطويلة في العمل السياسي، كما أن إمكاناتها المالية محدودة أو ضئيلة جدا، إذا ما قورنت بإمكانات الإخوان المسلمين والدعم الذي يحظون به.

توافر المال لدى الإسلاميين مكنهم من الاستحواذ على أفئدة وعقول البسطاء بمكرماتهم الخيرية، كما أن الخبرة في الحشد والتأثير وتوظيف الدين مكنتهم من استثمار الفرصة التاريخية التي أتاحتها لهم ثورات الشباب العربي الجسور، فتمكنوا من قطف ثمارها وتحقيق أحلامهم [3] .

وتجدر الإشارة إلى أن الأسباب المشار إليها آنفا «1، 2، 3، 4»، تندرج ضمن هذه الخانة. وهي، بالمناسبة أسباب مع أهميتها، إلا أنها غير كافية لإيصال الإسلاميين إلى سدة الحكم، ما لم تعضدها أسباب أخرى أكثر أهمية وفاعلية، وهي الصنف الثاني من الأسباب، التي سيتم الإشارة إليها لاحقا.

[1]  الديني، يوسف، «الصعود ألإخواني والمكارثية الليبرالية، »الشرق الأوسط، 2012م

[2]  الشريف، أبكر، الرياض «الجنادرية»: مشاركون يهاجمون «الإسلام السياسي».. ويصفونه بـ «البراغماتي»، 2013،
http://www.inewsarabia.com

[3]  الصياد، محمد «الدولة المدنية بعد صعود الإسلام السياسي»، الجمعة 3 شباط «فبراير» 2012م، الموقف
http://almawqef.com/spip.php?article4923
باحث في علم الاجتماع السياسي