آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 3:45 ص

تَكوَّروا تنجحوا «2»

بدر شبيب الشبيب *

يقول الدكتور جو هور من مؤسسة تطوير التعليم الكوري، في مقابلة تلفزيونية مع برنامج الشاهد في قناة الجزيرة: «بعد الحرب الكورية لم يكن هناك أي شيء؛ لا توجد مبانٍ مدرسية أو أساتذة. فما ركزنا عليه وركز عليه الكوريون هو التعليم، لأن ذلك كان هو الشيء الوحيد المتبقي لنا، أي إن الناس هم الذين تبقوا لنا». لعل قول الدكتور جو يختصر الكثير عن معجزة نهر الهان، فالإنسان هو رأس المال الأساس في تحقيق النهضة الكورية، وهو في الواقع رأس مال جميع النهضات الحقيقية. لذا فإن أي ثورة أو حراك يُغفل هذه النقطة المحورية لن يستطيع إحداث التغيير المطلوب.

ما فعله الجنرال «بارك تشونج هي» هو أنه جعل التعليم مهمته الأولى بدءا من محو الأمية ثم التعليم الأساسي فالتعليم المهني وانتهاء بالتعليم التخصصي. وقام بإنشاء مجلس التخطيط الاقتصادي عام 1961 الذي اضطلع بمهمة صياغة وتنفيذ خطط وبرامج التنمية الاقتصادية، وصياغة السياسات التنموية الصحيحة وعمل الخطط الخمسية لتشييد البنية التحتية، واتخاذ القرارات السياسية المناسبة وفي الوقت المناسب.

ركز الجنرال «بارك» كثيرا على الادخار والاستثمار واعتماد إستراتيجية إحلال الواردات كمرحلة أولى لإشباع الطلب المحلي، ثم إستراتيجية التصنيع من أجل التصدير كمرحلة تالية، وجعل من التنمية قضية الكوريين الأولى وشغلهم الشاغل. لقد ترك الكوريون الماضي بكل مآسيه خلفهم، وتوحدوا خلف مشروع التنمية مستقبلين الغد المشرق. وهكذا أخذ الكوريون وصفة النجاح بقوة، فوصلوا لأهدافهم بسرعة القطار الرصاصة الذي استنسخوه من اليابان والذي يسير بسرعة 350 كم في الساعة.

وصفة النجاح لم تكن سحرا أو شعوذة، بل هي معادلة متوفرة لمن شاء أن يتقدم من شعوب الأرض. على رأس الوصفة كانت القيادة السياسية الحكيمة المخلصة الواعية ذات الإرادة الصلبة التي أرادت أن تحدث التغيير، والتي كان رمزها الجنرال «بارك تشونج هي». وبالطبع لم يكن «بارك» وحده، بل كانت تسنده إدارة ناجحة قامت بشحذ الهمم تجاه العمل الدؤوب، وبسن القوانين، ووضع الخطط، وتهيئة البيئة الصحية المناسبة للتنمية المستدامة. وكان التعليم الفذ من أهم عناصر الوصفة، من خلال تركيزه على المخرجات المواكبة لعملية التنمية الاقتصادية والموائمة لسوق العمل.

فأنشأت كوريا الجنوبية مثلا معهد «كايست» للعلوم والتكنولوجيا والذي حاز في العام 2012 م على المركز 24 في التصنيف بين جامعات العالم في مجال الهندسة والتكنولوجيا والمركز 63 في التصنيف العام، والذي تزيد ميزانيته عن 700 مليون دولار في العام غير الهبات والمنح. ومن المؤشرات على زيادة الاهتمام بالتعليم أن الأسرة الكورية تنفق ما معدله 8% من دخلها السنوي لتأمين تعليم إضافي لأبنائها، كما إن أيام الدراسة لا تقل عن 260 يوما دراسيا في العام، وهو رقم مرتفع حتى بالقياس للولايات المتحدة وأوروبا.

عنصر آخر من عناصر الوصفة الناجحة هو حالة الانسجام والتعايش والتسامح بين المواطنين الكوريين، إذ تم التركيز على الجامع المشترك بين الكوريين المتمثل في كونهم شعبا واحدا ذا ثقافة كونفوشية يتطلعون لتقدم وتنمية وطنهم. وتم تحييد العامل الديني، فليس هناك دين رسمي للدولة، وتتعايش البوذية والمسيحية «البروتستانتية والكاثوليكية» وديانات أخرى جنبا إلى جنب مع غير المنتسبين لأي ديانة، حيث يضمن الدستور حرية الدين والمعتقد.

البوذية والكونفوشية هما المكونان الرئيسيان للثقافة الشعبية الكورية، وهي ثقافة - كما يقول سمير زهير الصوص - كانت مسؤولة بشكل كبير عما تحقق في كوريا من إنجازات اقتصادية، منها تفضيل الجماعة على الفرد؛ الإعلاء من شأن العمل الجاد والشاق في سبيل الجماعة، والحرص على البعد الإنساني في علاقات العمل، واحترام الوقت.

في عام 1997 عندما انهارت اقتصاديات دول نمور آسيا ومن بينهم كوريا الجنوبية نتيجة الأزمة المالية العالمية، تبرع المواطنون بما قيمته بلايين الدولارات من الذهب لمساعدة الحكومة على سداد الديون الخارجية التي بلغت آنذاك 60 بليون دولار، مما سرَّع في تجاوز الأزمة بشكل كبير. وقبل ذلك عمل الكوريون في المناجم الألمانية تحت ظروف عمل قاسية جدا، على عمق 1000 متر تحت سطح الأرض، كضمان للقروض التي حصلت عليها كوريا في فترة الستينات من ألمانيا «ألمانيا الغربية سابقاً». كما عملت ممرضات كوريات في المستشفيات الألمانية لنفس الغرض.

تلك بعض عناصر وصفة النجاح في كوريا الجنوبية، وهي عناصر مركزها الإنسان، وليس الموارد الطبيعية. فكوريا الجنوبية تستورد الحديد الخام مثلا من استراليا والبرازيل، ولكنها الثانية في تصنيع السفن العملاقة على مستوى العالم، وتحتل المركز العاشر بين اكبر اقتصاديات العالم من حيث حجم ناتجها المحلي. إنها قصة تقول: الإنسان أولا والإنسان أخيرا. وتقول: في الشرق أيضا يمكن أن تجتمع التنمية والديمقراطية.