آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 1:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

طفل - الأحد - المغدور

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

الجريمة لا تنشأ مصادفة. ولا يتحول الإنسان السوي إلى مجرم بين ليلة وضحاها. هكذا بسبب غضب عفوي أو اختلال عارض في مجريات الأمور.

الجريمة تنمو في الظلام وتعلن عن ذاتها كلما واتتها فرصة. من غير الوارد أن نفيق ذات يوم ونفاجأ بأحد أفراد الأسرة اللطفاء ممن تطفو ابتسامة ود يومية على محياهم، وممن يبعثون الحب والخير للجميع، بشكل صادم نجدهم مسلحين وهستيريين يهاجمون أحدنا بغرض قتله.. لا!!

إن هذا لا يحدث في الأحوال الطبيعية. إنما في الواقع الجريمة لها مسبقات وإنذرات تظهر جلية على شخصية الإنسان. يبدأ الأمر عادة وفي الظروف المعروفة بحالة تأزم حقيقي مما يسبب ضغطا كبيرا يؤدي إلى كآبة وتوتر فاضحين. المجرمون لا يولدون برغبة القتل. هذه الرغبات الشاذة تطرأ بسبب تغيرات وانعطافات في حياة ضعفاء الوازع والسلبيين منا.

بحيث تذوب كل بواعث الخير وتتولد رغبات أخرى قاتمة وسوداء معنونة بالكراهية والانتقام. الأصل في الأسوياء هو الحب والسلام لذاك حين يلمّح شخص ما بمفردات القتال والكراهية والبغض والانتقام فإننا لابد أن نرقبه بعين الخشية ونعرف أنه بحاجة ماسة للمساعدة. لأن المجرمين يعلنون عن أنفسهم باستمرار لكننا نصم أسماعنا عن تلك الرسائل ثم نتصنع أننا متفاجئون حين تقع الواقعة!.

إدمان المخدرات والمسكرات رسالة واضحة لمجرم حتمي. الغضب المُرجف رسالة.. كلمات التهديد، التردد، التقلب، الشتائم، الوعيد.. كل تلك رسائل نحن نخطئ في قراءتها ونخطئ في تشخيصها وضرورة عرضها على مختص بشكل فوري!.

تحت وسم «#طفل _الأحد_المغدور» ثارت في تويتر زوبعة امتعاض ورفض كبيرين لجريمة قتل الطفل محمد - 4 سنوات - على يد والده مدمن المخدرات الذي هجم بشكل هستيري على الطفل وظل يبحث عنه وهو مختبئ منه ومرعوب. وبعد أن وجده ظل يضربه بقسوة ونقله إلى السرير وركله على مناطق حساسة في جسده ثم أنهى معاناة الطفل بضربة مهلكة باستخدام قضيب حديدي على رأسه. فمات غارقا في دمائه وسط رعب أفراد الأسرة!.

لا أريد أن أزيد الأمر وحشية لكنها الحقيقة المرة التي لا بد أن نشيعها في وضح النهار ودون أن نخفي منها شيئا حفاظا على نزاهة المجتمع المزعومة.

ولن أتحدث عن الأحكام الخجولة المترتبة إثر هذا المستوى من جرائم الآباء، ولن أطالب بأشد العقوبات عليهم، لأن الأمر أكثر إحباطا من مجرد الحديث فيه حتى. فوالد محمد لم تكن جريمته الأولى ولا الطارئة إنما كانت خاتمة لعمليات عنف متوالية كان ضحيتها محمد نفسه وأخته ذات التسع سنوات الذي عنفها وتحرش بها أيضا.

لن أتابع في قضية محمد لأنه أتسع الرقع على الراقع. والأمر أقسى وأدهى من أن يحله مقال في جريدة إذا لم يكن هناك قرار حكيم وإجراء قانوني جريء وحاسم لجرائم الآباء المتوالية في المجتمع. لأن مكانة الأبوة لا تلغي حق أي منا في الحياة.

الحياة التي تكفي وحدها لتكسب أي منا شخصية قانونية أهلية الحقوق. الحياة وحدها فعل مادي مسؤول يترتب عليه حقوق والتزامات بمجرد حدوثه. بل حتى قبل أن ينفصل الطفل عن حبل أمه يكون قد اكتسب شخصية قانوينة وحقوق. بحيث يصبح قتله جريمة يترتب عليها تأديب وعقاب. لأن حياة إنسان واحد لا تُشترى بمقابل.

نعم لن أتابع في قضية محمد بل أريد أن أطرح سؤالا كوقاية. فالوقاية خير من العلاج على كل حال. السؤال: كيف تتقي أن يحصل هذا في بيتك، أو محيط حياتك؟

ببساطة بالغة. اهرب عن المأزومين قدر استطاعتك.. ثانيا: أطلب لهم المساعدة إن كانوا من أهل بيتك واستحالت عملية الهروب!.

علينا أن نكون شفافين في قراءة التغيرات الطارئة على أفراد البيت. لابد أن تكتشف نقاط الضعف وتقويها. احرس سقفك من احتمالات الفيضان..

انتبه!.