آخر تحديث: 20 / 4 / 2021م - 1:22 ص

المجازر المقدسة

بدر شبيب الشبيب *

لا نريد أن نقول ما قاله أحدهم:

سلامي على كفرٍ يوحد بيننا... وأهلا وسهلا بعده بجهنمِ

فهذا القول الذي ينطوي على الترحيب بجهنم الآخرة فرارا من جهنم الدنيا لا يمكن قبوله، ولكنه في الوقت ذاته يشير إلى فظاعة الحروب الداخلية والفتن البينية التي إذا اشتعلت في وطن ما فإنها لا تبقي ولا تذر، ولا يستثني شرها أحدا. الأمثلة على ذلك كثيرة، وما الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما «1975 - 1990» عنا ببعيدة. فشررها المتطاير وصل إلى الجميع، حتى تقاتل الإخوة فيما بينهم، وتحولت سويسرا الشرق - كما كان يطلق عليها - إلى جهنم مصغرة على الأرض.

مثال آخر قريب هو الحرب في يوغوسلافيا السابقة «1991 - 1995» والتي حصدت في مجزرة سربرنيتشا وحدها ثمانية آلاف شخص، كما شهدت يوغوسلافيا العديد من الممارسات البشعة بحق المدنيين من تطهير عرقي، وعمليات اغتصاب منظمة، وإعدامات فورية، واحتجاز غير قانوني، ونهب الممتلكات، بالإضافة للتدمير المنظم للإرث الديني والثقافي.

تلك الآثار المدمرة للحروب الداخلية هي التي جعلت صاحب البيت الشعري الذي ذكرناه آنفا يتمنى الكفر حين يوحِّد الناس على الفرقة والاختلاف تحت عناوين ولافتات الإيمان؛ وذلك لأن الإيمان الممزِّق المفرِّق الذي يحرض على الكراهية والقتل على الهوية ليس بإيمان أصلا.

ولعل مما يقرب المعنى ما ذهب إليه جمع كبير من علماء المسلمين أن حكم الكافر العادل خير من حكم المسلم الظالم. فالعدل هو جوهر الحكم، وهو قيمة إنسانية عليا. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ. ومعلوم أن انتفاء الجوهر انتفاء لأصل الشيء، فلا يعود للحكم معنى أبدا. كذلك قيمة الأوطان بوحدتها وانسجام مكوناتها، وبدون هذا لا يعود الوطن وطنا، بل يتحول إلى مجموعة كانتونات متصارعة، أو كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ.

ما تشهده الساحة الإسلامية عموما والعربية خصوصا في وقتنا الراهن من ارتفاع وتيرة الخطاب الطائفي المقيت هو أمر يهدد بتفتيت دولها وتقسيمها والقضاء على البقية الباقية من مظاهر وحدتها وتماسكها. ومن يظن أنه سيكون خارج الصراع في مأمن من لهيب الحروب المذهبية والدينية حين يشتعل فتيلها وتدق طبولها، فهو واهم لم يقرأ شيئا من التاريخ. إذ إن أخطر ما في هذا النوع من الحروب القذرة أنها تعيد تشكيل المجتمع وفق هوياتها الضيقة، فينسحب العقل من الساحة، وتسود الغرائز، ومن ثم تهبط الفتاوى التكفيرية التي تجيد توظيف الدين وتكييف نصوصه ليوائم أهواءها وشهواتها.

تأتي الفتاوى التكفيرية لتعبر عن شهوة القتل «المقدس!» والانتقام المسرف في أدواته ومدياته، ليطال الأبرياء والشيوخ والنساء والأطفال في بيوتهم، والمصلين في دور عبادتهم، والجالسين على الأرصفة بانتظار فرصة عمل، والمرتشفين الشاي مع أوجاعهم في مقهى شعبي. وكل ذلك يرتكب باسم الله والدين.

يذكر هاشم صالح في كتابه «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا» بأنه عندما أمر ملك فرنسا لويس الرابع عشر بسحق البروتستانت كليا إذا لم يعتنقوا المذهب الكاثوليكي. وجرت عندئذ أكبر محنة داخلية في فرنسا. وهُجِّر ما لا يقل عن ستمائة ألف شخص من البروتستانت وقُتل الباقون، أو حُوِّل إلى الكاثوليكية عن طريق القوة، صفق بوسويه، زعيم الأصولية الكاثوليكية، وقال مخاطبا لويس الرابع عشر:

« لقد ثبّتَّ أركان الإيمان يا جلالة الملك واستأصلت الهراطقة. وهذا هو أكبر عمل جليل يحصل في عهدك. فبك زالوا واندثروا، ووحده الله سبحانه وتعالى أتاح لك إنجاز مثل هذا العمل العظيم الذي يكاد يشبه المعجزة. يا ملك السماء احفظ لنا ملك الأرض... »

هكذا تتم شرعنة القتل، فيصبح واجبا مقدسا يفضي إلى الجنة ومعانقة الحور العين. إن ما يجري حولنا اليوم ينذر بكارثة لا ينجو منها أحد، ولا يمكن تدارك ذلك إلا من خلال تحمل الواعين من أبناء الأمة مسؤوليتهم التاريخية لوقف تدحرج كرة النار.