آخر تحديث: 8 / 12 / 2021م - 3:39 م

في مفهوم المجتمع المدني

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

كثر الحديث في الأقطار العربية، في السنوات الأخيرة، عن المجتمع المدني من قبل المنادين بدولة عربية معاصرة مستندة على العقد الاجتماعي. وقد جرى التأكيد على دور المجتمع في صناعة القرار، وفي تحقيق الإصلاح السياسي. يردّ المحافظون على هذه الدعوات بالقول بأن المجتمع المدني العربي، قديم جداً في المنطقة العربية، ويستدلون على ذلك بوجود مدن عربية عريقة كدمشق وبغداد ومكة والمدينة وحلب والقيروان... ومدن أخرى كثيرة.

واقع الحال، فإن المجتمع المدني هو مفهوم وافد، استخدم بمدلولات سياسية واجتماعية، ليس المقصود منه تقرير ما إذا كانت هناك تجمعات بشرية في بقعة ما من الكرة الأرضية اضطلعت بدور مهم في صناعة الإمبراطوريات والحضارات التي سادت عبر التاريخ حتى يومنا هذا. إن المقصود على وجه الدقة هو القيمة التي يضفيها وجود هذه الكتل البشرية، على صناعة القرار السياسي، وصياغة توجهات الدولة.

وعلى هذا الأساس، يتحدد عمق أداء المجتمع المدني، من خلال إسهاماته المباشرة وغير المباشرة في العملية السياسية برمتها. ولعل من الجدير ذكره أن الفلاسفة اليونان، وفي مقدمتهم أرسطو هم أول من استخدم تعبير المجتمع المدني في أدبياتهم.

ففي كتابه «السياسة»، ناقش أرسطو دور المجتمع الأثيني في صناعة القرار. لكن أرسطو، قسم المجتمع الأثيني إلى عدة شرائح، واقتصر تعريف المجتمع المدني على شريحة واحدة من ذلك المجتمع، هي طبقة الأشراف والنبلاء، أولئك الذين يملكون الأهلية لكي يكونوا مكتملين إنسانياً.

أما النساء والعبيد ومن أطلق عليهم البرابرة فهم لا يحوزون ذات الأهلية التي يملكها النبلاء والأشراف، ولذلك فهم مستبعدون من العملية السياسية، ودورهم لا يتعدى خدمة الطبقة «المؤهلة إنسانياً».

في الثورات الاجتماعية الحديثة الكبرى، وخصوصاً الثورتين الفرنسية والإنجليزية تطور المفهوم ليشمل شرائح أوسع، ولكنه أبقى على نظام العبودية، ولم يتم تجاوزه إلا مؤخراً، بعد معركة تحرير العبيد التي قادها أبراهام لينكولن في أمريكا الشمالية، والتي كانت في أحد أوجهها تعبيراً عن أفول مرحلة الإقطاع، وانطلاق مرحلة التصنيع في أوروبا وأمريكا بشكل غير مسبوق. وخلال هذه المرحلة أنيط بمؤسسات المجتمع المدني تقاسم السلطة، على أسس طبقية ومهنية ودينية وحرفية. وأعلن الدستور الفرنسي لأول مرة أن الناس يولدون أحراراً، وأنهم أمام القانون متساوون في الحقوق والواجبات.

في الثورات الاشتراكية، بهت دور مؤسسات المجتمع المدني، بالمفهوم الليبرالي، وأصبح الحزب الحاكم يضطلع بقيادة المجتمع والدولة. والاتحادات المهنية والنقابية والطلابية وبقية المؤسسات تابعة للحزب، وبالتالي للدولة. ومن خلال تغييب دور هذه المؤسسات، وتحويلها إلى أنساخ مشوهة، تغيب الحريات والحقوق.

هكذا فمفهوم المجتمع المدني، ليس ساكناً، بل يخضع لقوانين التطور والحركة. والحديث عنه هو حديث عن تشكيلات اجتماعية فرض وجودها التطور التاريخي، وأصبح من غير الممكن على صانع القرار تخطي أدوارها.

في الولايات المتحدة الأمريكية تختزل مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة، في عدة فئات تشكل قوة ضغط على صانع القرار، ولها دورها الذي لا يستهان به في الوصول إلى سدّة الحكم. فهناك قوة ضغط عملية تضم كبار الموظفين، ولها تأثير مباشر على صناعة القرار، وهناك مجموعة المصالح وتضم الاتحادات المهنية كاتحاد عمال سكة الحديد، وعمال النفط ومناجم الفحم، ومزارعي القمح، وبقية الاتحادات المهنية الأخرى. وهناك أيضاً قوى ضغط أخرى، تتبنى الدفاع عن حقوق إثنية ودينية، يأتي في مقدمتها المؤسسة الكنسية، واللوبي اليهودي «الإيباك».

في ظل سيادة مؤسسات المجتمع المدني، يتوقع أن تتحلق كل شريحة اجتماعية حول مصالحها، سواء تكونت على أساس حرفي أو ديني أو إثني. إن المهمة الأساسية لهذه الشريحة هي الدفاع عن منتسبيها، وليس عن المجتمع بأسره.

لقد أدرك عدد من المفكرين خطورة هذا الجانب على عملية صناعة القرار السياسي، فعالجوا ذلك بالدعوة إلى تأسيس تجمعات سياسية، مهمتها طرح البرامج الشاملة، لتطوير المجتمع بشكل أفقي، بحيث تشمل نتائج خطط التنمية القاعدة العريضة من الجمهور.

في الولايات المتحدة، أيضاً يتنافس حزبان سياسيان على الحكم منذ أكثر من قرن، هما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي.

الأول يمثل الكارتلات النفطية وملاك البيوت والطبقة الرأسمالية، والثاني يمثل الطبقة المتوسطة. بمعنى أن الشريحة الثالثة، التي تشكل أغلبية أفراد المجتمع، مغيبة تماماً عن العملية الانتخابية وعن برامجها، رغم أنها نظرياً مشمولة بها.

بما يشكل ثغرة كبيرة لا تتسق مع ما ينبغي أن تضطلع به مؤسسات المجتمع المدني.