آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 3:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمعنا والحرية

محمد أحمد آل محسن * مجلة الخط

ما أن تنتهي من قراءة كتاب رجل السياسة "دليل في الحكم الرشيد" للدكتور توفيق السيف حتى تستنتج أن كل فصل من فصوله التسعة يستحق أن يكون كتابا منفصلا لوحده. فما يختزله هذا الكتاب من فصول مهمة، وحقول أهم، يؤكد حاجة المجتمع لدليل مرشد نحو اللحاق بركب التقدم، أو على الأقل، الوصول إلى حيث بدأ الآخرون، وليس إلى حيث وصلوا. ومع معرفتنا بمفكر كالدكتور توفيق السيف، وما يمتلكه من فكر، تجعل من إمكانية إفراد كتاب خاص لكل فصل مستقبلا، أمراً ليس صعباً على أمثاله.

ولعل الحديث عن موضوع الحرية في الكتاب، لا يجعلنا نستغرب إفراد المؤلف لفصلين من فصوله للحديث عن الحرية وعن حق الحرية، وهذه السطور من المداخلة وهي تحت عنوان " مجتمعاتنا والحرية" سوف تحاول أن تسلط الضوء على ثلاث قضايا لطريق الحرية في مجتمعنا والتخلص من التبعية.

والمحاور الثلاث هي: المجتمع والإنسان الحر، مفهوم الفرد والفردية، الموازنة بين ثقافة الطاعة وثقافة المسؤولية.

أولا: المجتمع والإنسان الحر

لا يمكن أن تنموا الحرية في أي مجتمع من المجتمعات إلا بوجود الإنسان الحر، وأحد مشاكل معضلة الحرية هي غياب الإنسان الحر، فدائما عندما نناقش قضية حرية الفرد في المجتمع، تتبادر إلينا تلك الهالة المقدّسة التي نضفيها على المجتمع، والصحيح أن هذا المجتمع هو عبارة عن مجموعة أفراد يعيشون في نفس الزمان والمكان، فهي لا تحمل بين طيّاتها أي أبعاد أخرى، غير توصيف لحالة أفراد يتعايشون مع بعضهم الآخر.

والفكرة هنا هي تحول هذا الفرد من شخص تابع وعبد إلى إنسان حر ومنتج، وهو ما يعني تحول المجتمع إلى مجتمع متقدم ومتحضر، لذا ومع هذه الثورة التكنولوجية التي نعيشها أصبح كلّ فرد هو مصدر ثقافة نفسه، وهو المتحكّم في مدى استجابته للمؤثّرات من حوله، والتي تعرّضه لمؤثرات لا حصر لها، قد تختلف البتّة عن فرد مقابل يعيش معه، بخلاف المجتمعات البدائيّة الذي كانت السيطرة فيها على الأفكار والمعتقدات شبه مركزيّة.

و لذلك فان التزام الإنسان بحقوق حريته الفرديّة هي حماية كافية له ضد بقية الأفراد. فالمجتمع الراقي هو ليس إلّا نتيجة أفراد حرين ومنتجين، والمجتمع المتخلّف ما هو إلّا أفراد تابعين وخاملين.

ثانيا: مفهوم الفرد والفردية

لكي تنموا بذرة الحرية نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الفرد والفردية، لأنه لا يمكن أن تنموا بذرة الحرية في مجتمع الأفراد، فالفرد في مجتمعاتنا مازال يراوح مكانه ضمن إطار الجماعة، وتجعله خاضعا للجماعة بتشكيلاتها المختلفة «العائلة، القبيلة، الحزب، الدولة، الوطن.. إلخ»، وأن هذه التشكيلات لا تزال لها الريادة في مقابل الفرد. فإذا ما تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن ثقافته تمنعه من تحديد خياراته، فيذوب في إطار الجماعة حتى ولو كانت ضد مصالحته الشخصية.

وهذا الحال هو خلاف ما هو قائم تماماً في الغرب، حيث الأولوية للفرد على حساب المجموع والجماعة. فالثقافة العربية والإٍسلامية هي ثقافة تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، بعكس المجتمعات الأكثر تقدما وأكثر حريةً، حيث تكون استقلالية الفرد أهم من الجماعة، وتتعامل معه على أنه كينونة مستقلة بذاته، بعيداً عن ارتباطاته الجماعية الأخرى، وبغض النظر عنها.

ثالثا: الموازنة بين ثقافة الطاعة وثقافة المسؤولية

إن التربية على الحرية في مجتمعاتنا لا تقوم إلا من خلال الموازنة بين ثقافة الطاعة وثقافة المسؤولية، فمجتمعاتنا عانت ولكثير من الأزمنة من ثقافة الاستبداد تحت عنوان الطاعة، ففي المنزل يجب على الابن أن يسمع ويطيع وينفذ فقط، وفي المدرسة لابد من طاعة المعلم طاعة عميا في كل ما يقول، وعلى مستوى الدول شاعت ولا زالت ثقافة الطاعة لولي الأمر، الذي يقرر ويفعل من دون الرجوع إلى من يحكمه، وبعيدا عن أي قانون أو رابط يجمعه مع هذا الفرد.

وهذا ما يوصفه الكاتب بالتدخل الاعتباطي أو التحكم من جانب أشخاص أو رجل دولة ينطلقون من متبنيات شخصية لاختراق الحريم الخاص بالأفراد.

والحقيقة أن هذه الثقافة ولدت ثقافات وأجيال مستبدة بالرأي باسم الطاعة، خلقت نوعا من الاستسلام والتواكل والهروب من الواقع باسم الطاعة، حتى عادة هذه الحالة هي الأصل، ومخالفتها هي تغيير السائد الصحيح؟؟

وهنا لا بد من إشاعة ثقافة تحمل المسؤولية، المسؤولية في كل شي، من مسؤولية التفكير، ومسؤولية الحركة، إلى مسؤولية حل المشاكل التي تواجه الإنسان نفسه، وكل هذا يحتاج بالتأكيد لان يكون لدينا إنسان حر.